معظم العظماء ليسوا عظماء في الحقيقة...فيلم Rodin

يحكي الفيلم قصة حياة النحات الفرنسي الشهير اوجست رودان وهو يعتبر ربما بالتساوي مع مايكل انجلو أعظم نحات في تاريخ البشرية. ويصور الفيلم إتقان رودان الشديد لعمله واعتباره للعمل كهدف للحياة.

يصور الفيلم أيضا علاقاته الإنسانية وهنا تسقط كل العظمة عنه، فنراه خائن لزوجته ومهمل حتى لعشيقته فقد أدت معاملته لها لانهيارها العصبي وقضائها باقي حياتها في مصحة عقلية، هذا بالإضافة إلى عدم اعترافه بابنه . 

مؤخرا أيضا شاهدت مسلسل عن قصة حياة العالم الشهير ألبرت اينشتاين، ويبدو أن حالة رودان لم تكن صدفة، اينشتاين يعتبر نسخة منه، خائن لزوجته وضعيف أمام العلاقات النسائية وناكر لجميل زملاءه فمثلا ميليفا ماريتش هي من كانت تقوم بالحسابات الرياضية لنظرياته الفيزيائية ولم يذكرها حتى بكلمة شكر كما أنه تسبب في أزمة نفسية لابنه جعلته يحاول الانتحار.

فحين نصنف عظماء التاريخ ، نصنفهم حسب الفائدة والخدمات التي أفادوا بها البشرية ككل، لكن إذا دققنا سنجد أن هناك أشخاص آخرين هم في الحقيقة الذين دفعوا ثمن تلك الخدمات، مما يستدعي إعادة تعريف للعظمة الإنسانية.


كون الإنسان بارع ومتميز في جانب معين في حياته هذا لا يعني حتمية تميزه في باقي الجوانب كما أن الحياة الشخصية ليس لنا دخل بها في النهاية من قدم خدمة للبشرية علينا احترامه.

بالنسبة لاينشتاين فالموضوع تعدى الحياة الشخصية فزوجته ميليفا هي من كان يقوم بالإثباتات الرياضية ( معظم عظماء الفيزياء ليسوا عظماء في الرياضيات) . ولكنه لم يعطيها حقها أيضا. وهذا شئ في صلب عمله.

هذا لن يؤثر على صورة أينشتاين ومدى خدمته للبشرية أيضاً فالعرفان بالجميل أو إعطاء الحق لأصحابه أو أو لا يهم الجميع للأسف الواقع يقول إن البشر ينظرون فقط للنتيجة أي شيء آخر لا يهمنا مادام لن يؤثر على مصلحتنا.

أنا أختلف معك وبشدة وأرى أن هذا الطرح سيئ جدا بل إن ما تقولينه يمكن استخدامه لتبرير الأفعال الإجرامية فهل شاهدت الخطابات التي تحاول تبرير أفعال الكيان الصهيوني بحجة أنهم قدموا للكوكب الهواتف الذكية والتكنولوجيا أنا أرفض هذا المبدأ تماما فالإنسان لو لم يقدم أي شيء وكان إنسانا جيدا فهو أفضل بكثير من شخص يتسلق ويظلم الناس ليكون مشهورا بإنجاز حققه فالعامل الصالح البسيط عندي أفضل من أينشتاين مهما قدم للبشرية لو كان إنسانا ظالما يبني مجده على حقوق الآخرين

ولكن من جهة أخرى هل الأفضل هو من نقول عنه الأفضل ، أم من نعتمد عليه أكثر ؟ نحن نعتمد على اينشتاين في العديد من الأشياء يومياً ، و هذا شبه إعتراف بفضله.

دعني أضرب لك مثالا بسيطا وأنت من سيحكم ويقول لي من هو الأفضل هل هو شخص شرير ونرجسي ومغرور وجد حديقة مليئة بشجر التفاح بعد رحلة بحث طويلة وعميقة ولكنه جعل زوجته تجمع هذا التفاح بالإكراه والظلم ثم فتح متجرا ووزع التفاح على البشر أم شخص مسالم وطيب لم يستغل أحدا ولم يكره أحدا على فعل شيء ولم يهمش أو يظلم أي إنسان ولكنه في المقابل لا يملك حديقة ولا تفاحا وكل ما يفعله في حياته هو إطعام بعض القطط من بقايا الطعام الذي لديه أيهما يعتبر الأفضل من وجهة نظرك

شخص مسالم وطيب لم يستغل أحدا ولم يكره أحدا على فعل شيء ولم يهمش أو يظلم أي إنسان

هذا الشخص مستحيل الوجود ، كل الناس تخطئ في حق بعضهم ، حتي و إن تخيل شخص عن نفسه عكس ذلك . لذلك فالرجلان في المثال متساويين . لذلك فأنا أفضل صاحب الحديقة ، على الأقل هو قام بشئ، الرجل الثاني لم يفعل أي شئ إيجابي( هو فقط يظن أنه لم يصنع السلبي )، إلا إطعام القطط من مخلفات أكله. كما أن إطعام القطط و الناس انتهي أثره بعد لحظة و أفاد عدد محدود ، أما استفادتنا من اينشتاين فباقية إلى الآن، هو نفسه لم يرى الليزر أو Gbs و ما قد تفيد به الطاقة النووية.

كلامك فيه بعض الصواب لكنك تتجاهل أن هناك فروقا أخلاقية واضحة بين البشر فصحيح أن كل الناس تخطئ لكن خطأ عن خطأ يفرق ولو اعتبرنا أن كل من ينتج شيئا مفيدا للبشرية هو أفضل من غيره لكانت هذه رخصة مفتوحة للعلماء والمؤثرين ليظلموا ويطغوا كما يشاؤون طالما أنهم يفيدون البشرية باختراعاتهم واكتشافاتهم أنا شخصيا لا أحترم العالم إذا كان إنسانا سيئا وظالما وأحترم الرجل البسيط المسالم حتى لو لم يضف الكثير للبشرية فأوبنهايمر مثلا كان عالما عبقريا لكنه في النهاية صنع أداة للموت والدمار فهناك فروق شاسعة بين البشر في موازين الخير والشر والصواب والخطأ ولا يمكننا أبدا أن نساوي بين جميع البشر في أخطائهم أو نبرر الظلم والطغيان بحجة المنفعة العلمية أو المادية

اوينهايمر مظلوم جداً على فكرة ، القنابل النوويةهي أقل الأسلحة قتل للإنسان من حيث العدد . كل ما فعلته قنبلة اوبنهايمر أنها أنهت الحرب العالمية الثانية، و قراءة عناوين فقط تاريخ الحرب العالمية الثانية تؤكد أن اليابان بصراحة جابته لنفسها ، لأن الحرب كان مستحيل تخلص غير كدا. أما بعد ذلك فحدث توازن نووي و لا يجرؤ أحد على استخدامه على أحد. أي أنه سلاح يستخدم مرة واحدة فقط .

أختلف معك لأكثر من سبب أولا العديد من التحليلات تؤكد أن الحرب كانت تتجه إلى نهايتها أساسا ثانيا اليابان لم تجلب ذلك لنفسها فليس هناك أي مبرر يمنحك الحق في نسف مدينة كاملة بسكانها وكائناتها فهذه ليست حربا شريفة ثالثا التوازن النووي لم يكن ليحدث لولا أن العلماء أحسوا أن هذا هو الخيار الأفضل حينها لكي لا تحتكر أمريكا هذه القوة لنفسها رابعا لقد تم إلقاء قنبلتين وليس قنبلة واحدة يمكن أن أتفق معك في نقطة واحدة وهي أن أوبنهايمر من القلائل الذين اخترعوا سلاحا فتاكا واسمه معروف للجميع بينما توجد أسلحة أخرى كثيرة مدمرة لا يعاب على صناعها ولكن كنموذج طالما أنه كان يعرف حجم الدمار الذي سيصنعه هذا السلاح فهو بكل تأكيد إنسان ظالم حتى لو كان الموقف نفسه معقدا هناك حلول اخرى بدلا من ابادة مدينتين كاملتين

نعم ، لكن السؤال ابسط من كده. هل الفعل صحيح او خاطئ في ذاته، أم ننتظر لنرى نتيجته و بعدها نحكم إذا كان صح و لا غلط؟

هل الفريد نوبل عالم ولا مجرم لما اخترع الديناميت؟

أنت تحاسب اوبنهايمر علي نتيجة، لكن لا أظن أن هذا عادل . أعتقد أنه وقت صنه للقنبلة كان يفعل الصواب.

لكن ألفريد نوبل عندما اخترع الديناميت لم يخترعه أساسا للحروب حتى لو تم استخدامه في ذلك لاحقا بينما أوبنهايمر كان يعرف أنه لا يصنع شيئا لتفتيت الأحجار والتعدين بل يصنع سلاحا للدمار وكما قال هو بنفسه الآن أصبحت الموت مدمر العوالم أنا فقط لا أرى أنه المخطئ الوحيد في هذه المأساة فهو إنسان أخطأ وخطؤه تسبب في كوارث حقيقية لكن بالطبع كان هناك سياسيون ودول أخرى وعلماء اخرين وحرب مشتعلة وسباق تسلح وتطوير مستمر لذلك لا أستطيع أن ألومه بمفرده وأجعله يتحمل هذا الحمل التاريخي كله لوحده

مفهوم ، ولكن اجابتك إيه على السؤال؟ علي الصح صح في ذاته ولا على حسب نتيجته؟

الصح صح في ذاته والخطأ خطأ في ذاته لأن الغاية لا تبرر الوسيلة ولا يمكن أن نعطي رخصة مفتوحة لتبرير أي مجزرة أو جريمة بشعة في التاريخ تحت مسمى المنفعة الكبرى مع ادراكي التام لتعقيد هذا الموقف وان قرار الاستخدام كان قرار سياسي وليس بيده وان طبعا تقييمي للمشهد دلوقتي مختلف لمن عايشه العالم مكانش في حالة سلام حينها لكن صناعة سلاح صمم خصيصا لإبادة مدن بأكملها وحرق مئات الآلاف من المدنيين هو فعل خاطئ ومجرد من الأخلاق في ذاته ولا يمكن لأي نتيجة أن تطهره أو تجعله صوابا فالهدف الجيد والنبيل يحتاج إلى وسيلة شريفة لتحقيقه لكن اذا لم نبحث عن المثالية وبحثنا عن اقل الاضرار لازال القاء قنبلتين عمل غير ضروري واليابان كانت في طريقها للاستسلام حتى لو لا مفر الا تصنيعه والا صنعته دولة اخرى لا يتم استخدامه مباشرة على مدينتين مأهولين بالسكان واوبنهايمر حتى لو شخصية مختلف عليها هل هو شخص مظلوم والمشهد كان اعقد من مجرد شخص صنع اداة دمار لكنه شخصيا ندم على فعلته

إذا كان الصح صح في ذاته؟ إذن ما رأيك مفارقة كانط. يرى الفيلسوف "إيمانويل كانط" أن الكذب خطأ مطلق في ذاته. لكن، إذا كان هناك قاتل يبحث عن صديقك المختبئ في منزلك وسألك عنه، فإن قول الحقيقة (الصح في ذاته) سيؤدي لكارثة، بينما الكذب (الخطأ في ذاته) سينقذ حياة إنسان. هنا تصبح النتيجة هي المقياس الحقيقي للصواب.

هناك فرق بين القاعدة العامة وبين الحالة الاستثنائية واختيار أخف الضررين فأنا أرى أن أوبنهايمر كان بإمكانه الانسحاب من المشروع أو عمل أي شيء يخرج نفسه من هذه المسؤولية لأسباب أخلاقية ولكنه لم يفعل ذلك في حالة الصديق كذبك سينقذ حياته ففي هذه الحالة رغم أن الكذب خطأ في ذاته إلا أنه يصبح الفعل الصحيح لإنقاذ إنسان ولكن عندما نتحدث عن تصنيع قنبلة نووية تبيد الحجر والشجر والبشر هل ترى حقا أن هذا الموقف يشبه ذلك الموقف

هناك شائعات تقول إن هذا هو ما فعله العالم الألماني المسؤول عن القنبلة النووية ، هناك آراء تقول إنه كان يعرف الطريقة لكنه اختار أن يتظاهر بالجهل و اخذ يقود الفريق نحو طرق مسدودة لخوفه الأخلاقي من صنع القنبلة.

لا أستبعد ذلك صراحة حتى لو جلب هذا التصرف الهزيمة لبلده فأنا أرى أنه أنقذ نفسه أمام ضميره بينما أوبنهايمر لم يتقبل نفسه أبدا بعد تلك القنبلة الملعونة وأضيف على كلامك في دفاعك السابق عن أوبنهايمر أنه ليس من المفترض أن يكون هو كبش الفداء الوحيد في هذا الموضوع فهناك علماء آخرون عملوا عليها وسياسيون وجنرالات ربما يتحملون مسؤولية أكبر منه أساسا وهو وضع في موقف صعب ومعقد وهو نفسه لو عاد به الزمن لا أظن أنه كان سيوافق على المشاركة لأنه لم يصبح بطلا قوميا بل تحول إلى شخصية جدلية ومأساوية أمام العالم وأمام نفسه