القاهرة ٣٠- التكيف مع المجتمع الفاسد

قبل بضعة أيام شاهدت لأول مرة فيلم "القاهرة 30" عن رائعة نجيب محفوظ، وكنت قد قرأت الرواية منذ زمن ولكني بُهرت أكثر بالفيلم خصوصًا من خلال آداء نور الشريف، في دور محجوب عبدالدايم. الشاب الفقير الذي يقبل بدور الزوج القواد لرجل غني بحثًا عن الثراء السريع، الحقيقة أن مثال محجوب عبدالدايم لم يكن الوحيد داخل الفيلم، عن أشخاص جاؤوا من بيئات فقيرة للقاهرة بحثًا عن الرزق، وفوجئوا بفسادها وماديتها البحتة، ولكن قرروا عكس غيرهم الانخراط تحت تلك العجلة القاسية، ووجدت في الامر مقاربة مع ما يحدث الآن في أوساط الكترونية.

فقد ترى شباب وبنات في سن صغير مقبلين على الحياة ليفاجئوا بصعوبة تحقيق الاموال بطرق شرعية، وسهولة شديدة في المقابل لتحقيقها بصورة غير أخلاقية، فشخصيًا عرفت شبابًا استهزءوا بتطبيقات المراهنة واستنكروا من يحملها، والآن هم من أكبر مستخدميها ولا يقدرون على التخلي عنها، وطبعًا قضية اتجاه كثير من البنات للايفات المنصات المختلفة، أو حتى المنصات العالمية المخصصة للعري مقابل المال، التي تجعل البنت تفكر أن لا خطر في الأمر، تجلس في بيتها وتحقق مبالغ طائلة ستقسم ظهرها إن حاولت جنيها بالطرق التقليدية، تمامًا كما فكر بطل الفيلم في كلمته الشهيرة "طز!"

فهل يكفي إعادة ترسيخ مرجعية أخلاقية قوية وأن محجوب عبدالدايم هو ركز للضعف الاخلاقي ؟ أم أن الأمر أكبر من ذلك وهو ضحية للظروف الاقتصادية كسائر الأمثلة الآخرى؟


التعليق السابق

ولكن ذلك التدعيم الفلسفي يحتاج لأساس فكري قوي ومرجعية أخلاقية كما قلت، وشخصيًا لا أتفق كفاية مع مفهوم فطرة الإنسان لفعل الخير، فإن تربى الشخص في بيئة مظلمة قد تتغير المعايير داخل عقله وقلبه، وتجعله يبرر مثل تلك التصرفات من أجل النجاة ولقمة العيش.

أتفق معك أن مفهوم الفطرة الخيّرة وحده قد لا يكون كافيًا كأساس أخلاقي، خصوصًا في ظل البيئات التي تُعيد تشكيل المعايير الأخلاقية وفق منطق البقاء. لكن هذا لا ينفي الحاجة إلى مرجعية أخلاقية قوية تتجاوز الظروف الاجتماعية المؤقتة.

قد ينحرف الإنسان تحت ضغط الظروف، وهذا يعكس هشاشته أكثر مما يُثبت شرّه الأصلي. ومن هنا أتصور أن فلسفة الصيرورة الأصيلة تُقدّم أساسًا مختلفًا؛ فهي لا تعتمد على الفطرة كنقطة انطلاق جامدة، بل تُركز على التجدد المستمر في بناء المعنى من خلال الحركة والتجربة.

بهذا المنظور، تغدو الأخلاق قيمًا ومعايير غير ثابتة أو معطاة سلفًا، بل هي جهد دائم لاكتشاف الأفضل ضمن سياق الحياة المتغير. وحتى في البيئات المظلمة، تبقى هناك فرصة لإعادة بناء الأخلاق من خلال النبض الإنساني العميق الذي يشُدُّنا نحو المعنى والكمال. وهذا النبض قد يصدر عن محض عقيدة وإيمان، أو عن تجربة استبطان وتأمل داخلي عميق.

ولعل التساؤل الأهم ليس: هل الإنسان خيّر بالفطرة أم شرير بالطبع؟ بل: هل يستطيع، حتى في أقسى الظروف، أن يُعيد تشكيل نفسه أخلاقيًا؟ أعتقد أن الإجابة تعتمد على قوة الإرادة وعمق الرؤية التي يُمكننا ترسيخها في المجتمع. فما رأيك في هذا المنظور؟