متى يعرف المستقل أنه يجب أن يتوقف عن الاستمرار في المجال الذي يعمل فيه والاتجاه لمجال آخر؟
لي صديق يعمل في مجال البرمجة في مجال العمل الحر، وقد وصل فيه إلى نجاح كبير على العديد من المقاييس، مثل الخبرة وعدد المشاريع، والأموال التي يحصل عليها وأسماء الشركات الكبيرة التي عمل فيها، لكن المشكلة أنه بدأ ينصح كل من حوله بتعلم البرمجة، وبالطبع كانت الإغراءات واضحة أمامنا، ترك الجميع ممن أعرفهم أعمالهم، أو جزءً منها وبدأوا بتخصيص لتعلم البرمجة والسير ورائه.
لكن المشكلة أن الوقت يمر لكنهم لا يحققون النجاح الذي كانوا يتمنونه، وهذا على مستوى المذاكرة فقط لا العمل، ومن هنا بدأ العديد من الأشخاص يعيدون التفكير ثانيةً فيما يفعلونه، بل لنا صديق كان في الكلية نفسها، وهي حاسبات ومعلومات، وبعد مرور سنة تقريبًا من تخرجه لم يحصل على وظيفة واحدة جيدة .
في النهاية قرر أن يتبع شغفه، وبدأ بتعلم التسويق الرقمي، وخلال أشهر قليلة بدأ يعمل مع عدد قليل من العملاء، ثم أصبح لديه ملف ينظم فيه عشرات العملاء والشركات حتى لا يتوه بينهم.
الفكرة هنا أن صديقنا هذا لم يأخذ الطريق الذي أخذه الآخرين، بل لأنه في المجال نفسه، فهو يعلم أنه ليس من المشترط أن كل من يتعلم البرمجة أن يصل فيها إلى مكانة عالية، مما جعله ينسحب سريعًا، لأنه حتى إذا وجد عملًا مناسبًا، فلن يُريحه بالقدر الكافي.
وعلى العكس حينما وجد شغفه، وبدأ بالبحث فيه جيدًا والاهتمام به، كان له مردود كبير عليه، في حين أن استمراره في العمل الحر في مجال البرمجة كان سينعكس سلبًا عليه، طبعا البرمجة هنا مجرد مثال، وارد أن يحدث تجاه أي مجال مربح.
هذا يذكرني بمقولة قديمة تقول "ليس كل ما يلمع ذهباً". قصة صديقك في البرمجة تعكس حقيقة مهمة جداً في عالمنا اليوم؛ النجاح في مجال معين لا يعني أن الجميع سيحقق نفس النجاح فيه. البرمجة، مثل أي مهنة أخرى، تحتاج لشغف ومهارة خاصة، وليس الجميع يمتلك ذلك.
من الجيد أن الأشخاص الذين تابعوا نصيحة صديقك حاولوا، لكن الأهم هو أن يعرف الشخص متى يجب عليه التوقف وإعادة تقييم مساره. صديقك الذي تحول إلى التسويق الرقمي وجد شغفه الحقيقي ونجح فيه، وهذا يعطينا درساً قيماً.
الحياة قصيرة جداً لتضييع الوقت في مجال لا يجلب لك السعادة أو الإشباع. لكل منا مواهبه واهتماماته الخاصة، والتحدي الحقيقي هو في العثور على ما يناسبنا حقاً. قد تكون البرمجة لصديقك، والتسويق الرقمي لآخر، وربما شيء مختلف تماماً لشخص آخر.
ما يهم هو الشعور بالرضا عن العمل الذي نقوم به، والإيمان بأننا نسير في الطريق الصحيح بالنسبة لنا. العمل يجب أن يكون مصدر إلهام وسعادة، لا مجرد وسيلة لكسب المال.
حاجتنا للمال وهي حاجة أساسية مثل المأكل والملبس هي التي تدفع الكثير منا لذلك، ولا أنكر أني توجهت في فترة من الفترات لتعلم البرمجة لنفس السبب، فالمجالات المربحة والتي تحقق دخل قوي دوما عليها العين لهذا السبب، وبرأيي ليس الشغف هو المحرك الوحيد الذي يجب أن نعتمد عليه، فالحاجة وحدها وقود قد يشعل الشخص بالطاقة أكثر من الشغف، فكما يقولون الحاجة أم الاختراع.
حاجتنا للمال وهي حاجة أساسية مثل المأكل والملبس هي التي تدفع الكثير منا لذلك، ولا أنكر أني توجهت في فترة من الفترات لتعلم البرمجة لنفس السبب.
أعتقد أن المشكلة الأكبر هنا، بالطبع جميعنا نبحث عن طرق ووسائل لزيادة دخلنا وتحسين حياتنا باستمرار، ولكن أرى أن الأفضل أن يتم ذلك بالاعتماد بشكل أساسي على مهارات الشخص واهتماماته، ليس مضطرا لخوض مجال بعينه لا يستهويه ولا لديه أي خلفية عنه لمجرد أنه مجال مربح، بنسبة كبيرة لن يحقق منه شيء، وسيجد أنه أهدر من الوقت والمال والجهد ما كان يمكن استثماره في مجال مناسب أكثر له من حيث المهارات والخبرات، وكان سيحقق فيه تقدم ونجاح أكبر.
المشكلة أن التعامل مع المال بهذه الطريقة، وعدم الاهتمام به أو وضعه ضمن الأولويات ليس بهذه السهولة، خصوصًأ في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي نمر بها، أحيانًا يجعل المال الإنسان يحيد عن شغفه وراحته، وهذا صلب ما أقوله بالمناسبة، فلقد ترك بعضنا ما يهتم به بالفعل وجرب في مجالٍ آخر من أجل المزيد من المال .
التعليقات