هل سرقت منا التطبيقات متعة الحياة؟
بينما كنت أجلس في شرفتي بالأمس، أحاول قراءة كتاب بهدوء، وجدت يدي تمتد تلقائيا لهاتفي لتفقد بريدي الإلكتروني. توقفت للحظة وسألت نفسي: يا أبا عمر، لمن تثبت أنك مشغول؟ ولماذا تشعر بكل هذا القلق لمجرد أنك لا تفعل شيئاً؟.
أنا اليوم في الستين من عمري، عاصرت زمنا كانت فيه الراحة حقا مقدسا، ورأيت كيف تحولنا تدريجيا إلى ما يشبه الآلات التي لا تهدأ. في شبابنا، كان العمل ينتهي بمجرد خروجنا من باب المكتب، أما اليوم، فالمكتب يسكن في جيوبكم، يلاحقكم بالتنبيهات حتى في غرف نومكم.
سباق نحو لاشيء
أتابعكم يا معشر الشباب في حسوب وغيره، مبرمجين ومبدعين، وأرى في عيونكم هذا الحماس المستمر خلف الإنتاجية. تريدون تعلم كل اللغات، وقراءة كل الكتب، وإنجاز كل المهام في يوم واحد. لكن، هل سألتم أنفسكم يوما: أين اأناا من كل هذا الزحام؟
لقد حولنا هواياتنا الجميلة إلى أعباء. إذا أحب أحدكم الخط العربي، سارع لفتح متجر لبيعه. وإذا أحب القراءة، صنع قناة لتلخيص الكتب. لقد استعمرنا حتى لحظات فراغنا البسيطة وحولناها إلى مشاريع تحت مسمى استغلال الوقت.
دروس تعلمتها بعد الستين
اسمحوا لي أن أشارككم سرا تعلمته بعد كل هذه السنوات: الإنسان ليس خوارزمية. نحن لسنا أنظمة تشغيل تحتاج لتحديثات أسبوعية لنبقى ذوي قيمة.
القيمة الحقيقية هي في تلك اللحظات التي لا نفعل فيها شيئا مفيدا بالمعنى التقني، لكننا نكون فيها حاضرين بقلوبنا.
لقد فقدنا متعة الملل. ذلك الملل الذي كان يولد فينا أجمل الذكاءات وأصدق المشاعر. اليوم، بمجرد أن يطل الملل برأسه، نقتله بـ التمرير في الشاشات.
دعوة لـ إبطاء السرعة
نصيحتي لكم ليست نصيحة محاضر، بل هي دعوة من أب وصديق جرب زحمة العمل وهدوء التقاعد: لا تجعلوا حياتكم مجرد تذكرة في قائمة مهام لا تنتهي.
اتركوا مساحات بيضاء في أيامكم.
لا تشعروا بالذنب إذا مر يوم دون إنجاز ملموس.
أحياناً، أعظم إنجاز هو أن تجلس مع نفسك بسلام.
والآن، دعونا نتحدث كأصدقاء: هل تشعرون فعلا أن هذا الركض المستمر خلف الإنتاجية جعلكم أكثر سعادة؟ أم أنكم مثلي، تشعرون أحيانا أننا فقدنا شيئا بسيطا وجميلا في الطريق؟
أنتظر أن أسمع منكم، ليس كمحترفين، بل كبشر.
التعليقات