مؤخرا كنت أقرأ رواية الناقوس الزجاجي لسيليفيا بلاث

وكانت بطلة الرواية إستر مصابة بإكتئاب شديد مع أفكار إنتحارية.

رغم أنه لا توجد كلمة واحدة حتى الأن في الرواية تخبرني بصراحة إصابة استر بالإكتئاب، إلا أنني أعرف روح الإكتئاب فعلا، أدركت ما تعيشه البطلة من عذاب داخلي، رغم البلادة الخارجية والخواء التعبيري الذي يظهر عليها.

لقد شعرت بروح الإكتئاب تحوم داخلها، رغم أنها لم تصف مشاعرها بالحزن، لم تبكي، ولكنني أدركت حيرتها، فقدانها للقدرة على الإستمتاع بالأشياء، وهذا ببساطة هو تعريفي الشخصي للإكتئاب.

مشكلة الإكتئاب والتي تجعله من أخطر الأمراض النفسية في رأيي هو أن من يعانيه لا يصرخ، لا يخبرك انه يعيش كابوس داخل عقله ومشاعره، لا يطلب المساعدة، بل إن الإكتئاب عادي تماما خارجيا، لدرجة أن المكتئب يعجز عن وصفه بكلمات.

ويظل الإكتئاب يلتهمه حي، ومازال يظهر لنا كشخص طبيعي، يتصرف بطبيعية، لا يطلب المساعدة، حتى نسمع خبر إيداعه في مشفى أو إنتحاره، فنتفاجأ، "لقد كان زي الفل"، هل من المعقول انه كان يعاني وحيدا كل هذا الوقت ولم يلاحظ أحد؟

إستر بطلة الناقوس الزجاجي، فقدت القدرة على الإستمتاع بأي شيئ، النجاح، الحب، العلاقات الاجتماعية، حتى المتع الصغيرة، مثل تذوق طعام لذيذ، أو النوم، أو الضحك من القلب على مزحة سخيفة.

تلك النعم الصغيرة التي لا نقدرها إلا حين نحرم منها.

وفقدت ايضا القدرة على رؤية المعنى وراء أي شيئ.

وفقدان المتعة مع المعنى تجعل الحياة غير جديرة بأن تعاش.

وهذا هو الإكتئاب من وجهة نظري، ليس شعورا بالحزن الشديد كما يختزله الناس، بل هو عدم القدرة على الشعور، أو الخدر العاطفي.

فالشعور بالحزن علامة جيدة، ليشعر الانسان بالحزن ويبكي ويصرخ وينهار، انه لأمر رائع، مازال متصلا بمشاعره، سيلاحظ من حوله حزنه بسهولة ويساعدوه.

ولكن الاكتئاب هو ألا تستطيع الشعور بأي شيئ سوى الفراغ، وكيف ستشرح للأخرين مشاعرك هذه إذا؟ فلا توجد مشكلة عملية، المشكلة فيك أنت شخصيا، في نمط تفكيرك وشعورك.

عندما كنت مصابة بالإكتئاب كان طبيبي النفسي يسألني دائما في كل زيارة: كيف حالك يا ألاء

كنت أصمت قليلا محاولة التفكير في الإجابة المناسبة ويخرج صوتي ضعيفا فاترا: بخير الحمد لله

كنت اجيبه دائما بنفس الإجابة، أسخر من نفسي.

لأنه إذا كنتي بخير يا آلاء، فما الذي تفعلينه في عيادة هذا الطبيب النفسي؟ لقد جائت بك أمك إلى هنا لأنها تخشى أن تقتلي نفسك، وأنت تقولين أنك بخير.

ما أود أن أخبركم إياه، أن الإكتئاب ليس كما يتم وصفه، كل وصف درسته و قرأته عن الإكتئاب كان تبسيطا شديدا لما عشته

وما قابلته، فلقد زرت أكثر من مرة مستشفى للطب النفسي بحكم دراستي.

وتعاملت فيها مع أشخاص مكتئبين، كانو يبتسمون لي، ولكن ما وراء إبتسامتهم الزجاجية الهشة هو اللاجدوى واليأس، يسبح في فضاء وعيهم، ويمتص منهم الحياة. ولكنهم يبتسمون لأن الإكتئاب بارع جدا في الخداع.

أنا لا أبالغ عندما أقول أن الإكتئاب هو سرطان الروح

حينما تقابل شخصا يعاني من الإكتئاب، ستشعر بالحيرة والإرتباك، لأنك لن تفهم، لن يفهم الإنسان ماهية الإكتئاب حتى يعيش داخله، وأدعوا الله أن يتم عليكم نعمته، وألا تصابو بالإكتئاب أبدا.