ملحمة بيروقراطية

شهادة التخرج هي تجربتي الأولى كإنسان وحيد تمامًا ومستقل للغاية يحاول استخراج ورقة قانونية تثبت أنه أخيرًا استطاع الخروج من عبودية سنواته التعليمية

ملحمة مكتملة الأركان، قابلت فيها مدام عنايات في الدور التالت، التي نصحتني بالذهاب لأستاذ علاء الفي الرابع والذي لم ولن أجده ابدًا في حياتي ..

رحلة متخمة بامتعاضات الموظفين عن كون (الختم مش واضح) وعن أن الفاتورة غير صالحة وعن وعن.. حتى شعرت بذنب تجاه ولادتي ومجيئي للعالم..

 امتعاضات اخرى بأنني حمقاء حقًا لاستخدامي الدفع الالكتروني وأنها مصيبة تُلزمني اعادة الدفع لأن الفاتورة يجب أن تُختم بختم أزرق قاني لا يملكه في العالم سوا موظف واحد يخرج من صومعته مرة واحدة كل قرن عند اكتمال القمر الأرجواني، ولأصل إليه لا بد أن أعبر دهليزًا عجيبًا ينتمي لأساطير ألف ليلة وليلة..

لقد شددت الرحال وأرسلت مراسيلي وجئت وذهبت وسرحت ومرحت، وصعدت الدور السادس مرتين وهبطه بلا فائدة، وبفائدة ..

كنت أحارب طواحين هواء دون كيشوت المتمثلة في آلة بيروقراطية مثيرة للهلع، وحيدة خائفة وغير فاهمة..

وخلال هذه التجربة من الاغتراب الكافكوي والضباب لم يكن واضحًا بفكري سوا أمرين:

الأول هو اقتباس من سفاري أحمد خالد توفيق يقول فيه  

(إنها الإجراءات ، وهذه مصر يا صغيرة .. أنت فى بلد الكاتب الجالس القرفصاء ، حيث لابد للمرء من ألف ورقة يثبت بها أنه على قيد الحياة ، وألف ورقة أخرى يثبت بها أنه مات ..)

والثاني هو الدعاء أن ينتهي الكابوس على خير بلا جرائم قتل أو نوبات قلبية.


ذات مرة جعلوا والدي يوثق ورق دراستنا مرتين! لأن مرة واحدة لا تكفي..

وذات مرة لففت كوكب الأرض تسع مرات ولمدة شهر لاختم ورقة وقيل لي لا يمكن أن نستخرج لك طلبك في الختم يجب أن يكون مقسومًا بين الورقة القانونية وبين صورتك المدبسة فيها وهنا الختم ليس مقسومًا تمامًا بينهم، كدت أبكي حينها لكن آثرت أن أرحل كبطل صبور.

وعدت بعد أن تأكدت من أن الختم مقسومًا بنسبة ٥٠/٥٠ بين الورقة والصورة لأجدها تقول لي أريد وصل كهرباء أو عقد إيجار أو ملكية البيت لأستخرج لك ورقتك فلا يوجد ما يثبت محل إقامتك.

لقد تحولت إلى trauma ارتجف بشدة كلما تذكرت.

يا ساتر يا رب