12

لا تصدر أحكامًا مطلقة دون رؤية الصورة كاملة

البارحة بينما أسير في الشارع مع طفلي الصغير، بدأ يلح إلحاح كبير على شراء لعبة، والحقيقة أني قد أنفقت ما بحوزتي من مال في هذا الوقت بجانب أني لا أريد أن انصاع لرغباته بكل مرة يطلب مني شيئًا، بالمناسبة عمرة يقارب أربع سنوات.

شرحت له كثيرًا حاول الوضع الحالي وقتها، واطلعته بأن ليس لدي مال مطلقًا، لأننا اشترينا هذه الأشياء، بداية استوعب الأمر حتى مررنا بأحد محلات الألعاب التي تعرض لعبته المفضلة -سيارة- وهنا انتهت فقرة التفاهم وبدأ الصراخ والبكاء، وبعد محاولات من التفاهم وخلافه لا فائدة، فعاقبته بضربة خفيفة على كتفه مع تعنيفه بالصوت، ولكن تفاجأت بفتاة لا تتجاوز العشرين حسبما أتوقع، جاءت وبدأت تعنفني لماذا تضربي طفل بهذا العمر، كيف تصرخي به هكذا لقد أصيب بالخوف.

عندما فكرت بالموقف ككل، هذه الفتاة لم ترى شيئَا إلا الفقرة الأخيرة لكن لم ترى كم المحايلة والتفاهم الذي اتبعته بالبداية، كم من الوقت استغرقته للشرح والتفاهم، وهكذا هو الحال مع أغلبنا، عندما نرى نجاح شخص لا نفكر كم من التعب بذل ليصل لهذا النجاح، وعندما نرى شخص يرتدي ملابس أنيقة ويبتسم إذن هو سعيد، ولو رأينا زوج يحمل طفلًا عن زوجته إذن فهو يدللها وحياتهم خالية من المشكلات، للأسف فدون رؤية الصورة كاملة سنخطىء دوما بقراراتنا وبأحكامنا.


التعليق السابق

تتحدث عن الطفل الذي لم يكمل الأربع سنوات بحالة من الوعي تطلب طفل بالعشر سنوات، فالطفل بهذا العمر من المستحيل أن يرى الحالة من عيوني، وأنا هنا لا أبرر تصرفاتي فلست بحاجة لذلك فعلاقتي بطفلي أتفهمها جيدا وأقدر أبعادها حتى لا تتأثر علاقتنا أو تتأثر شخصيته، لكن إعلان حالة العصيان بالشارع والجلوس بالأرض وهذه الطرق الاعتراضية بعد محاولات مستميتة للفهم والنقاش كان لابد من شيء يوقفها، وفكرة الضرب إن كان معتاد عليها فلن تجدي معه من الاساس كان سيستمر دون اهتمام، لكن لأن قلما ألجأ لهذا الأسلوب فهي بالنسبة له علامة قوية يجب التوقف عندها.

وهذا يخلق نوع من الفضول لدي لأسئلك سؤال، ألم تتعرض للضرب مطلقا بطفولتك؟

ألم تتعرض للضرب مطلقا بطفولتك؟

أنا تعرضت للضرب في صغري، ضرب خفيف، وضرب مبرح في سنوات مختلفة، واذكر كل مرة تم ضربي، لا اذكر لما ضربت أذكر أني ضربت وبكيت كثيرًا بقهر، وهذا ينفي المبدأ الذي يردده الأهل بأن هذه تربية للطفل، هي في الحقيقة ليست إلا انتصار لأنفسنا، أنتي انتصرتي لنفسك بضربك الخفيف هذا، والذي حكمتي بأنه ليس موجعًا، فما رأيك إن وجهتي السؤال للصغير، فربما درجة حساسيته أعلى منك وبالتالي الضربة أوجعته على عكسك

إننا نتعامل مع صغارنا على أننا أعلى درجة منهم، وأنهم ملك لنا ومن ثم فنحن لنا الحق في فعل أي شيء معهم حتى وإن كنا لا نقبله على أنفسنا، أنتِ بالطبع لن تقبلي أن يتصرف معك زوجك بنفس الطريقة إن طلبتي شيء ما فرفض، فبدأتي في الإلحاح من وقت لآخر للوصول لمبتغاكي.

الطفل إنسان مثلنا تمامًا، ولا بد أن نعامله انطلاقًا من هذه النقطة نحترم إنسانيته، وتكريم الله عز وجل له، نتقبل حالته المزاجية، ونحاول الوصول لما هو أكثر الحلول احترامًا له، كأن نتركه يبكي ويعبر عن غضبه حتى يهدأ ويكون قادرًا على سماع ما نقوله، ونشرح له في هدوء. لا أن نرفض مشاعره - الحقيقية والمستحقة - بضربة خفيفة كانت أو ثقيلة

يبدو أن لديك ذكريات طفولة سيئة لذا الموضوع لمس مشكلة نفسية لديك، لست مع الضرب مطلقا كحل في كل الأحوال، لكن كما ذكرت حديث رسول الله عن الضرب عن الصلاة في سن العاشرة، فهو وسيلة عندما لا تنفع كل الوسائل لكن بحدود، لا تكون الضربة مؤلمة ولا تكون مهينة، وهذا ما فعلته فعليا، أقدر ما مررت به، لكن لن أسمح لطفلي أن يعاني بسبب موقف كهذا، علاقتي بهم كأصدقاء لكن الضرب بالمواصفات التي ذكرتها أحيانا نكون مضطرين للجوء لها.

أريد أن أوضح أننا كبشر لا نتذكر السنوات الأولى في عمرنا، لذا من الواضح أنك تعرضتي للضرب وأنت بعمر يسمح لك بالتفاهم والفهم وتبادل النقاش مع أهلك، وهذا صعب ومؤلم نفسيا لأنه سيكون عالقا بالأذهان، لكن حاولي تجاوز الأمر، وفكري بطريقة إيجابية حتى لو كان الفعل سيء، وأنهم كان هدفهم مصلحتك، حتى تتمكني من تجاوز الأمر دون أثر سلبي.

حديث رسول الله عن الضرب عن الصلاة في سن العاشرة

هذه النقطة يستشهد بها كل من يؤيد مبدأ الضرب أيًا كان نوعه، ولكنه استشهاد خاطئ نوعًا ما، لأن الضرب هنا سبقه ثلاث سنوات توجيه لنفس الفعل خمس مرات في اليوم بلين ورفق وهدوء، فما هو الخطأ الذي يساوي الصلاة في عظمها ونوجه الطفل إلى الصواب لمدة ثلاث سنوات كاملة بمعدل خمس مرات يوميًا، حتى نصل لنفس النتيجة في النهاية ويكون مسوحًا لنا بضرب الطفل.

أريد أن أوضح أننا كبشر لا نتذكر السنوات الأولى في عمرنا

لا نتذكر لكن تظل محفورة أجزاء من هذه الذكريات في عقلنا الباطن، وأحيانًا تبقى بعض المشاهد عالقة في أذهان الطفل.

دعيني أوضح أن حديثي نابع من منطق أني أدرس وأقرأ في التربية منذ خمس سنوات تقريبًا، فكلامي ليس نابعًا من كوني تعرضت لذكريات سيئة، وإنما من دراستي لهذه الأمور وتطبيقها مع أبنائي من جهة أخرى.

وإنما من دراستي لهذه الأمور وتطبيقها مع أبنائي من جهة أخرى.

أرجو إجابة صريحة بعيدا عن التجمل، ألم تضربي ابن لك مطلقا؟

فعلت في نوبة غضب لي، ولكني بعدها نزلت على ركبتي اعتذرت لصغيري وأوضحت له أن ما فعلته هو شيء خاطئ بغض النظر عن كونه مخطئ، وأن ارتكابه لخطأ ما لا يبرر لي أن أقوم بضربه، وطلبت منه أن يغفر لي ذلتي. وهكذا أفعل مع أي خطأ ارتكبه في حق أي منهما.

ودعيني أقدم لك نصيحة وهي أن حجم من يرتكبون فعل ما ليس مقياسًا للحكم بصحة أو خطأ هذا الفعل، ولا يعد شرعية مكتسبة لهذا الفعل مطلقًا. فإن قال لك كل أولياء أمور الأطفال أنهم يضربون أبنائهم لا يجعل من الضرب أمرًا صحيحًا ومباحًا

هذا هو المقصود، أنا لا أبرر الضرب، لكن نحن بشر بالنهاية ونضعف في بعض الأحيان خاصة بعد محاولات عديدة من المفاوضات والتحكم بالأعصاب، وبالتأكيد افعل مثل ما تفعلين واعتذر عن ما بدر مني، وابدأ في شرح الموقف، الحمد لله علاقتي بأولادي فوق الممتازة، لكن هذه الذلات التي خارجة عن إرادتنا لن تفسد كل الجيد الذي نفعله بالنهاية

تمام ان كان الاعتذار يخرج منك لهم على الضرب وعدم تبريره فهذا جيد، مع ضرورة عدم تكرار الأمر مرارًا وتكرارًا بحجة الاعتذار حيث سيفقد الاعتذار حينها معناه، ولن يصدقوه بأي شكل كان فيما تلى

فالطفل بهذا العمر من المستحيل أن يرى الحالة من عيوني

ما الذي تعنيه أصلاً بحالة عصيان في الشارع إن كنت فعلاً تعتبرينه طفلاً بالرابعة يمكن لحضرتك السيطرة عليه فيزيائياً؟ كان يمكن أن يُحمل الطفل ويؤخذ إلى المنزل، لكن لم تكن هذه نيّتك ولا نيّة معظم الأهالي (هنا لا أقوم بتوجيه اللوم شخصيّاً، إنّما أناقش الفكرة بشكل عام) إنّما كانت نيّتك اسكاته، لهذا أتى الضرب.

جرّبي لو سمحتي أن تقرأي في قسم الدراسات النفسية المُعد في موقع جامعة هارفارد عن سيكولوجيا الأطفال، ستجدي أنك قادرة على جعله يرى كثير من الأمور من عيونك الشخصية، ألا يخاف حين تخافين عادةً؟ ويصرخ ويبكي، حين يحصل شجار منزلي؟ ما الذي يجعله يتصرّف هكذا؟ رؤية العالم من عيون الأهل، انسجامه معهم، ألا تجعلك هذه الحقائق متحمسة للتفكير بأمور أخرى وتجارب أخرى لفهم طفلك أكثر؟

وهذا يخلق نوع من الفضول لدي لأسئلك سؤال، ألم تتعرض للضرب مطلقا بطفولتك؟

نهائياً، لا أتذكّر أنّهم صرخوا عليّ حتى، ولو كانوا فعلوا لكانوا أثّروا في نفسيتي كما أرى حالة معظم الأصدقاء

نيتي ليس الاسكات، نيتي هي التوجيه لذا شرحت وقررت وناقشت وتفاوضت معه ليكتسب كل هذه المهارات، ضربي الخفيف والمحدود في لمسة بكتفه كان ليهدأ من هيسيتريا الصراخ وينتبه لما أقول، وليعلم أن رد فعله من الصراخ ليس تهديدا لي لأنصاع لرغباته، فهناك أطفال تعتمد هذا الأسلوب ليستجيب الأهالي لهم وهذه النماذج كثيرة.

ألا يخاف حين تخافين عادةً؟ ويصرخ ويبكي، حين يحصل شجار منزلي؟ ما الذي يجعله يتصرّف هكذا؟ رؤية العالم من عيون الأهل، انسجام

خوفه رد فعل للبيئة التي بها ولقدرته بهذا العمر على التمييز كأصوات وردود فعل، لكن بالموقف هذا تحديدا استجابة الأطفال تختلف وفقا لشخصية كل طفل، فمثلا استجابة أخته في هذه المواقف أفضل من حيث قبولها للتفاوض ولا مرة أذكر أني فعلت هذا الموقف معها، على عكسه (لا أبرر الضرب، لكن هناك أوقات نضطر له للسيطرة على ردود الفعل المبالغ بها)

يعني أنت تقول احمله، أقول لك في حالته هذه من الغضب والعصيان لا اقدر على حمله لأنه يقاومني ببساطة.

ولو كانوا فعلوا لكانوا أثّروا في نفسيتي كما أرى حالة معظم الأصدقاء

لكي تتأثر نفسية الطفل يجب أن يكون هذا هو الأسلوب المعتاد له، مع التعرض لوسائل ضرب مبرحة ينتج عنها ألم وفزع، أو إهانة، وأكاد اجزم أن أي أم أو أي أب صرخوا وضربوا ضربات خفيفة لا تحسب ضرب من الأساس لكن فعلوا، ويمكنك العودة بالسؤال لعائلتك، وتأكدي لأني كنت مثلك قبل أن أنجب والواقع والتجربة فعليا مختلفين، مهما كنت مطلعة واقرأ دراسات أو ابحاث أو كتب.

بجانب الأطفال قبل سن الرابعة لا بتمتعون بتخزين طويل المدى بالذاكرة، بل تبدأ الذاكرة طويلة المدى بين الرابعة والسادسة لذا لا نتذكر الأحداث في هذه الفترة، لذا ربما إجابتك عن سؤالي هي نابعة عن الفترة التي ما بعد ذلك والتي يكون الطفل يستوعب ويفهم ويتواصل بشكل افضل.

لكي تتأثر نفسية الطفل يجب أن يكون هذا هو الأسلوب المعتاد له

هذا موضوع يعنيني جداً ولذلك أناقش به كثيراً، فمثلاً في هذه الجملة التي ذكرتيها حضرتك لا أجدها مطابقة للواقع أبداً، مثلاً مرّة قرأت لشهادات مجموعة من شباب بسن المراهقة يصرّحون أنّهم لم ينسوا أنّ فلان مثلاً من العائلة أو الاصدقاء مرّة قد مسّهم بطريقة خاطئة (كتحرش) أو ضرب (كتعنيف) حتى أنني لاحظت أن كثير منهم يذكرون صراخ أو تنمّر، كل هذه الأمور فردية وواحدة ولا تتكرر.

تقارن التحرش والضرب العنيف بلمسة على الكتف؟

شتان بين الأثر النفسي لهذين الفعلين.