54

هل أنت غني أم ثري؟

وهل هناك فارق بين الكلمتين؟ أليس الغنى هو الثراء؟ والثراء هو الغنى؟

كانت المرة الأولى التي أسمع فيها هذا السؤال في أول محاضرة لي في عالم التسويق الإلكتروني منذ عشر سنوات. وكان المعنى غريبًا على ذهني في البداية، ولكن سرعان ما استوعبته.

الغني: هو من يملك الثروة.

الثري: هو من يمكنه صنع الثروة.

لنتعمق أكثر في هذا المفهوم، بهذه القصة اللطيفة.

كان لي صديق يُدعىي وسام. وسام مات أبوه وترك له ربع مليون جنيه نصيبه من الإرث. ربع مليون جنيه له وحده. 250,000 جنيه لشاب في بداية العشرينات، لم يتعب فيهم، له أصدقاء سوء يمكنهم تدمير شباب دولة بأكملها، وقد مر سابقًا بفترة لا بأس بها من الحرمان في حياته، مع أب متشدد يعرف كيف يأتي المال.

القصة كانت من نحو 20 عامًا، ومبلغ مثل هذا يمكن عمل الكثير به (يمكن شراء شقة معقولة + سيارة متواضعة + بدء مشروع صغير + رصيد لا بأس به في البنك).

حسنًا .. هذا المبلغ الضخم تم تدميره في 8 شهور بالضبط. كان التدمير ما بين السفر والترحال في مدن مصر الترفيهية (شرم الشيخ – الغردقة – الساحل الشمالي – مرسى مطروح – ..الخ)، الإنفاق ببذخ على السهرات المشبوهة، وتعاطي المخدرات، وما تتوقعه من باقي الموبقات.

حينما قابلت وسام بعدها كان يعمل في أحد مطاعم الوجبات السريعة حتى يمكنه الإنفاق على نفسه.

كان وسام غنيًا، ولكنه لم يكن ثريًا.

لم يفهم أبجديات التعامل مع المال بالشكل الصحيح، فقام بتدمير هذا المال بشكل شهواني، ولم ينظر إلى نفسه وهو يعمل في المطعم، وظن أن المال سيدوم له، وظن أنه لن ينتهي مهما أنفق منه. لدينا في مصر مثل شعبي يتحدث عن تدمير الثروة في وقت وجيز يقول "خذ من التل، يختل".

على الناحية الأخرى – وفي نفس الدولة – كان هناك شاب واعد، يُمني نفسه بأن يُصبح أحد مليونيرات الإنترنت. تمكن من إنشاء موقع يقدم محتوى باللغة الإنجليزية، يستهدف جمهور من كندا والولايات المتحدة الأمريكية، وخلال فترة وجيزة بدأ الموقع في النمو والانتشار، وبدأ الجمهور يتوافد عليه، وبدأ يحقق بعض الأرباح المعقولة من الإعلانات، التي كفلت له دخلًا ثابتًا كل شهر.

كان هذا قبل أن يُصبح ذات يوم ليجد أن موقعه اختفى!

كلما كتب اسم موقعه، ظهر له صفحة تخبره بحدوث خطأ ما. تواصل مع شركة الاستضافة لتخبره بالفاجعة: حدث حريق مفاجيء في حجرة الخوادم Servers ولم يتمكنوا من السيطرة عليه، فضاعت النسخة الأصلية من الموقع، وكذا النسخة الاحتياطية في آن واحد.

كان هذا منذ أكثر من عشر سنوات، ولم يكن صديقنا يدري شيئًا عن ضرورة توفير نسخة احتياطية Backup من موقعه، ولم تكن الشركة بالحجم الكبير أو المهارة الكافية لتوفير نسخة احتياطية في موقع آخر، فضاع مجهود سنتين في لحظة واحدة.

تواصلت معه وأنا أدري جيدًا أن كلمات العزاء ستبدو – حينئذ – باهتة سخيفة، فسألته: هتعمل إيه؟

قال لي: هعمل إيه يعني؟ هبدأ من أول وجديد؟

موقعه الآن – لحظة كتابة هذه السطور – يحظى بمليون زائر شهريًا، ووصل عدد الكتب الإلكترونية التي كتبها، 10 كتب، يبيع منها كل شهر العشرات والمئات، وقد أصبح كما تمنى: أحد مليونيرات الإنترنت.

هل اتضح المعنى الآن؟ هل أدركت الفارق بين الغني والثري؟

الغني إذا فقد ماله، سيبكي بجانبه ... الثري إذا فقد ماله، ينفض ثيابه، ويبدأ من جديد.

الغني يجد دومًا مشكلة في كل حل ... بينما الثري يجد حلاً في كل مشكلة.

الغني أحادي التفكير، لا يعرف في الحياة إلا مهارة واحدة ... بينما الثري واسع الإطلاع، متعدد المهارات، يأخذ من كل بستان زهرة.

الغني محدود الطموح ... الثري طموحه يلازمه كروحه.

الغني قد يصيبه بعض الحظ، مرة أو مرتين ... الثري الحظ معه على الدوام.

الغني ينظر إلى ما في يده على أنه أقصى الأمانى، وأبلغ الذروات ... الثري يرى دومًا قمة أعلى من التي أمامه.

وأخيرًا، الغني يتغير حاله بتغير المآل ... الثري يبقى كما هو بأخلاقه، ولا تغيره الأيام أو الأحوال.

هل صادفت يومًا أحد هذين النمطين؟ هل اقتربت يومًا من غني؟ هل تعاملت يومًا مع ثري؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أجمل ما قرأت اليوم، شكراً لمشاركتك الظريفة، بالفعل تعرضت للكثير من المواقف على شاكلة ما ذكرته، من كثر هذه المواقف لا يمكنني حصرها في رد واحد لضيق الوقت، منها ما هي قصص لأشخاص عايشتهم أو قصص سمعتها من واقع الحياة اليومية.

بالعكس .. الهدف من هذه المناقشة هو أن نثريها بتجاربنا الشخصية وتجارب الآخرين

سأعذرك لضيق وقتك الآن .. ولكن عدني أن تعود بما يتوافر لك من قصص :)

شيء جميل

عندما مثل في جنوب السعودية و اليمن أيضا عيش حياتك ولا تفكر في بكرة وهذا المثل ينطبق على موضوعك

وللأسف والدي احد هولا كان تاجر خضروات اما الان فقير بسبب نفس صاحب القصة و اتعب ابناه في الحياة لكن نقول الحمد لله الفقر جعل منا نؤمن بالله ونعرف النعمة لا أدري ربما لو كان والدي تاجر لحصل لنا مثل قصة صاحب الربع مليون لأن كل من حولنا أصدقاء سوء

أجمل ما فيك: تفهمك لتقلبات الأيام، وأن ما اختاره الله لك هو الخير .. نعم ونعم بها كلمة: الحمد لله :)

بارك الله لك في أبيك، وأدع الله لك أن تكون بارًا به دومًا.

اللهم امين

أظن أني أعرف الثري الذي تتحدث عنه

من هو؟

لنعرفه سويًا :)

لديه كورس أو كتاب حاليا عن الـself publishing وكتب أخرى ومدونة رائدة في مجالها هو أليس كذلك؟ :p

هل اسمه عورة؟ :D

قل اسمه يا حبيب

لا فقط لا أتذكر اسمه الآن دخلت لمدونته وبحثت عن اسمه حسن محمد صاحب مدونة فرصة باقية

لديه عدة كتب ومدونة رائدة في مجالها،

هل تخميني في محله؟ :p

لا .. ليس هو :)

هه أوكي

طيب انت قل لنا اسمه.

هل اسمه عورة؟ :D

أبدًا :)

فاروق رضوان - موقع (لأعرف نفسي)

https://www.2knowmyself.com

جميل جداً، اشكرك على مشاركة الموقع :)

بالمناسبة، هل يوجد له محتوى باللغة العربية؟

مساهمة رائعة.

صراحةً أتعامل كثيرًا مع الأغنياء ، أمّا الأثرياء فلا.

ولكن السؤال هنا :

هل الاغنياء أغبياء ؟؟؟

حقيقة لا أفضل الانتقادات المباشرة :)

ولكن لنقل: إن الغني أحادي التفكير، أو متصلب التفكير، لا يبحث عن التجديد.

كتابة جميلة، استمتعت و استفدت بقرائتها، شكرا لك....

muzamil أضف ردا

غاية الروعة أخي الكريم .. قصة لطيفة فعلاً .. تشرح بوضوح الفرق بين المعنيين ..

استمتعت فعلاً .. والاروع انك عرفتنا على فاروق رضوان .. جزاك الله خير

جميل جداً ، لكن لدي سؤال !

نصادف الكثير من الاشخاص اصحاب الاملاك والثروه ولكنهم يكونون حريصين وربما اقتصاديين بشكل يدل على بخلهم وحبهم للمال ، اين يتم تصنيف هؤلاء ؟؟