15

تجربة إنشاء شركة ناشئة في الجزائر

chadlimedamine

قد تبدوا مسألة إنشاء و بناء شركة ناشئة للوهلة الأولى أمرا بسيط و سهل و لكن الواقع منافي لهذا الأمر تماما بل هو أكثر إرهاقا بكثير من العمل بوظيفة روتينية لا تحتاج إلى الكثير من التفكير، فأول أمر لاحظته بعد أن حاولت إنشاء شركتي الناشئة الأولى هو أن رأسي أصبح يألمني باستمرار و الوقت لم يعد كافيا لكي أقوم بأعمالي الروتينية المعتادة ،فلم أعد أتصفح الفيسبوك و لم أعد أقرأ المقالات و لم أعد أشاهد الأفلام و لم أجد الوقت حتى لكي أتوقف للحظة و أعيد ترتيب أموري ،فإيجاد فكرة جيدة لتحليلها و دراسة السوق الخاص بها و معرفة سلبيات الفكرة و إيجابياتها ليس بالأمر السهل و هذا حتى بدون الوصول إلى مرحلة بناء نموذج العمل التجاري .

في هذه المرحلة ستكتشف الكثير من الثغرات في فكرة مشروعك و ستعلم يقينا أن ما ينتظرك من مشاكل أعظم مما سبق و أن الطريق ليس معبدا كما يعتقد البعض بل هو مليئ بالأشواك و المطبات ،و خاصة إذا كانت شريحتك المستهدفة من العرب و بالضبط من الجزائر ليصطدم بك القطار و تكتشف أنه لا توجد وسيلة دفع إليكترونية يمكن لعملائك إستعمالها لدفع مستحقات استعمال التطبيق ،و هنا تبدأ بالتفكير لكي يكون التطبيق مجاني و تعتمد فقط على الإعلانات كوسيلة دخل و بعد قليل من الحسابات ستكتشف بأن تكاليف المشروع ستكون أكبر بعشرات الأضعاف من كمية الدخل التي ستأتيك من الإعلانات و هنا تفكر جديا بعدم إطلاق المشروع في الجزائر و إطلاقه في مدينة من المدن الأوروبية لتصدم بواقع أن اقتحام سوق أوروبية تحتاج إلى مبالغ طائلة لا يمكنك بأي حال من الأحوال الحصول عليها و هذه المبالغ فقط عند إطلاق المشروع أي عند اليوم الصفر .

بدون ذكر مسألة التوسع التي ستحتاج إلى أضعاف مضاعفة من ذلك المال و هنا يحسم الأمر لتصل إلى نتيجة محتومة واحدة و هي موت المشروع في مهده.

هذه ببساطة قصتي الصغيرة بدون تفاصيل عن مشروع بناء شركة ناشئة ماتت قبل خروجها إلى النور.

الأمر الذي استنتجته من هذه التجربة هو أنه يجب الإختيار بين الدراسة أو ريادة الأعمال فلن تجد الوقت للدراسة إذا اخترت بناء شركة ناشئة و من حسن حظي أني قمت بالتجربة في العطلة الصيفية و لم تتأثر دراستي.

هل حاولتم بناء شركة ناشئة كما حاولت أنا ،أم مازلتم تفكرون في ذلك ؟


بيئتنا العربية متشابهة إلى حدّ كبير.

مثل هذه المشاريع تحتاج قبل كل شيء إلى شراكة موثوقة، ودعم عائلي معنوي كبير، ووقت، وخطة (ب).

أعرف كثير من أصحاب هذه المشاريع الناجحة، والجانب الخفي من قصتهم (لأنهم لا يذكرون إلا الصعوبات فقط) هي كالتالي:

. عاطلون وظيفيًا فلا يوجد (تحدّي وظيفي) أو (دراسي) تجد نفسك في حيرة بينه وبين مشروع ضخم تتبناه.

. عائلة مقتدرة ماديًا، توفّر لك الخطة (ب)، مما يعني ترك الفرصة لك في الدخول هكذا مغامرة بكل اطمئنان واقتدار وثقة.

. شهادة دراسية عالية بتخصص مطلوب بتقدير مميز يضمن لك كذلك العودة إلى (الأمان الوظيفي) في أقل من سنة.

. شراكة ضخمة، وموثوقة، فشل المشروع بوجودها يحدّ من تأثير الخسائر على أفراد المشروع، ويسهل الخروج منه دون ارتباك مادي ومعنوي لكل شخص.

أما من يحاول دخول هذا الميدان لوحده، مع وجود التزامات مهمة للغاية.. فهو يدخل نفسه ومستقبله وعائلته في متاهة مظلمة، صحيح أنه قد ينجح في تخطيها، لكنه قد يفشل ثم فوق هذا يتوه فلا يجد طريق للعودة.

للأسف كثير من الرياديين لا يستحضرون بعض الجوانب المهمة أثناء حثهم على العمل الريادي، أحدهم رأيته يقول: غامر، ادخل بقوة، ابدأ الخطوة الأولى، لا نجاح بلا مغامرة، توكل على الله وابدأ. في جمل تعميمية دعائية خطيرة على من يتصف بشدّة الحماس، بينما هذا القائل والده وأخوته كلهم من كبار التجار، فحينما دخل في قصة نجاحه، كان هناك سنديانة ضخمة يتكئ عليها، وهي (العائلة).

أحد الأصحاب دخل في مشروع بلحظة حماس كلفه مبلغًا عظيمًا يحتاج إلى 5 سنوات للانتهاء من أقساطه، وبمبلغ شهري كبير ومؤذي لراحته وأمانه، وفشل المشروع بسبب الخداع والسذاجة، وتيبّست كل آثار الجمل التحفيزية والريادية وقصص النجاح في نفسه، وتورّط ورطة لا يعلم بها إلا الله، سبّبت في تأجيل الكثير من الأمور المهمة في حياته العائلية، واختفاء الكماليات تمامًا من مصاريفه.

والمصيبة أنك حين تكلم أمثال هؤلاء وتنصحهم وقت انتشائهم بوضع (بيل جيتس) الذي يتخيلونه في نفوسهم، يعتبرونك من أعداء النجاح (وكأنه يجب وجوبًا أن يكونوا نسخًا مكررة وموجودة من قصص الآخرين).

من قواعد المغامرة التجارية: "العيش دافئًا" كما يقال، هناك مناطق دافئة في حياتك العائلية والمادية يجب أن تبقى على حالها، المغامرة يجب ألا تكون على حساب دفئها وهدوئها، وأي مشروع مهما كان درجة نجاحه يجب أن يكون رأس ماله خارج الحسابات الأساسية، فإذا استطعت تجميع مثل هذا المبلغ.. فافعل به ما شئت.

شكرا على هذا الرد الذي يظهر معرفة كبيرة بهذا المجال و معظم كلامك توافق تماما مع حالتي فأنا يلزمي فقط إنهاء دراستي لكي أتفرغ تماما لمشاريع مثل هذه و لكن يمكنني القيام بمشاريع أخرى لن تسبب لي الكثير من الإلتزامات فمشكل المشروع الذي أقحمت نفسي فيه هو أنه يتسم بصفة التوسع يعني إطلاق المشروع في منطقة صغيرة و بعدها البدأ التوسع و اقتحام أسواق أخرى و هذا النوع من المشاريع يحتاج إلى تفرغ مطلق له و إلى رأس مال كبير جدا و هذا الخطأ لن أكرره مرة أخرى إلا إذا استطعت الحصول على تمويل و على فريق عمل متكون من عدد كبير من الأفراد لتقسيم العمل و تسهيل سير الأمور ،أنا حاليا أخطط لإنشاء مشاريع جديدة و لكن هذه المرة لن تحتاج إلتزامات كبيرة مني لأنها لا تتسم بالتوسع و لا بالحاجة لرأس مال كبير فقد استفدت كثيرا من تجربتي الأولى و عرفت الكثير من الأمور و الأخطاء التي سأتفاداها إن شاء الله في المحاولة المقبلة.

مع تحياتي لك أخي العزيز.