لطالما كان الإنسان كائنا إجتماعيا وإقتصاديا، عاش في مجتمعات مختلفة تحكمها أنظمة سياسية تترواح بين الانفتاح والانغلاق أو الإنحياز بين الجانبين حسب طبيعة النظام، كمدخل لفهم هذا الكائن على مر التاريخ، حاول الكثير من العلماء والفلاسفة على إيجاد إجابة مناسبة للأسئلة الغامضة التي لم يحسم بعد طبيعتها الإشكالية، باعتبارها جدلية أو غير قابلة للإجابة، كمن نحن؟ وما الغاية من وجودنا؟..الخ. دائما ما كنت أتسائل مع نفسي بين الحين والآخر، كم يبلغ ثمن/قيمة الإنسان بكل مكوناته، حريته، حياته، كرامته، حقوقه، مبادئه..الخ؟ وعبر كيفية ماذا يمكننا أن نقيس هذه القيمة؟

هناك مذهب إنساني ضد تشييء الإنسان، يدعوا إلى التوازن أو بالأحرى إلى الرجوع إلى كينونة الإنسان بدل تعليبه كشيء، أذكر لكم مقطعا مقتطفا من إحدى هذا المذهب الجدلي؛ "كم من المال تساوي حياتك في رأيك؟ هذا سؤال ينم في ظاهره عن الغباء، فليس هناك مبلغ من المال يمكن أن يعوّضك عن فقدان حياتك، وذلك لسبب بسيط هو أن المال لن يفيدك ولا ينفعك إذا كنت في عالم الأموات، ومن الجائز أن تشعر، ولأسباب مختلفة، أن القيمة الدولارية لحياة زوجتك وأطفالك أو حتى حياة شخص غريب في الجهة الأخرى من البلاد إنّما هي قيمة لا حدود لها، ولا ينبغي أن تتم التضحية بأي إنسان على نحو متعمد مقابل مبلغ من المال، وهذا ما نعنيه بقولنا إن حياة الإنسان لا تُقدّر بثمن".

ولنتعمق أكثر في هذا المذهب، لنقرأ هذا المقطع معا؛" الحداثة والثورة الصناعية أفرزتا النظام الرأسمالي الذي حشر الانسان بين قوسي الانتاج و الاستهلاك حين جعل من محوره تحقيق الربح عوض إعلاء إنسانية و ذاتية الإنسان، المسار الحداثي والرأسمالي المادي كان لابد أن ينتج آثاره على هذا الانسان باختزاله من كينونته الانسانية إلى شيء، و من كونه غاية إلى أداة ووسيلة، الارتباط النقدي والمالي للإنسان، هو ما أدخله في ماكينة الاستهلاك و الإنتاج، فعمله وإنتاجه لا ينظر إليه إلا بمقياس المقابل المادي الذي يحوله إلى سلع و بضائع و خدمات و هكذا يستمر في الدوران في دائرة الانتاج و الاستهلاك، هذه الازدواجية التشييئية للإنسان تغلغلت في كل جوانب الحياة، فكل شيء أصبح له وظيفة تشييئية و يقاس بمقاس العرض والطلب، الجامعات و المعاهد لا تخرج إلا تقنيين وخبراء بمقاس السوق والاعلام لا يخدم إلا ثقافة الاستهلاك والعلاقات الانسانية أصبحت كالعلاقات التعاقدية التبادلية، لا وجود لها إلا بوجود مصالح مادية نفعية متبادلة وما إلى ذلك"**.

هذا السؤال الجدلي الذي يقول عنه الدينيون أن قيمة الإنسان هو التقوى لله ويقول عنه الماديون أن ثمنه هو إجتهاده وكفاحه العملي، اليوم توصلت إلى إجابة عن هذا السؤال، إجابة مادية ومالية باستخدام عملية حسابية بسيطة، إعتمدت في هذه المحاولة على معطيات وآخر الإحصائيات من مصادر موثوقة ورسمية، أخذت مثال حياة الفرد الأوروبي في إسبانيا الذي ينتمي إلى الطبقة المتوسطة نموذجا، هذا الفرد سيعيش 81 سنة على سبيل المثال إنطلاقا من مؤشر العمر المتوقع عند الولادة في إسبانيا**.

إليكم تفاصيل القصة؛ هذا الفرد سيبدأ العمل بشكل رسمي على السن القانوني وهو 18 سنة، وسيتقاعد على 65 سنة، أي 47 سنة من العمل بالتمام والكمال، وللاستفادة من جميع ميزات التقاعد حسب القانون الإسباني عليه أن يساهم في الضمان الإجتماعي شهريا بمبلغ معين على طوال 37 سنة لكي يستطيع الاستفادة 100% من جميع أقصى ميزات التقاعد، وأدنى الميزات إبتداء من 15 سنة من المساهمة في الضمان الإجتماعي.

في إسبانيا، من المعتاد أن يحصل الفرد على 14 دفعة في السنة، اثني عشر دفعة شهرية بالإضافة إلى دفعتين استثنائيتين تدفع واحدة في الصيف وأخرى في عيد الميلاد، ومع ذلك، في بعض الشركات، يتم اتباع نموذج الدول الأخرى للحصول على اثني عشر دفعة فقط، واحدة لكل شهر عمل.

هذا الفرد يجني كل شهر 1.200 يورو، أي 14.400 يورو في السنة، بالاظافة إلى الدفعتين الاستثنائيتين 1.000 + 1.000 ، المجموع في السنة إذن هو 16.400 يورو.

إذن سنأخذ المجموع السنوي وسنضربه في مجموع سنوات العمل؛

16.400 × 47 = 770.800€

لقد وجدنا ثمن الفرد على طيلة حياته العملية، لكن هل هذا هو ثمن حياته بأكمله؟ بالطبع لا، فالفرد كما ذكرنا سيعيش 81 سنة، إذن لنرى كم سيجني بعد فترة تقاعده!

هذا الفرد الآن تقاعد في سن 65، وسيموت حين يصل إلى 81 سنة، أي 16 سنة من التقاعد، حسب الاحصائيات الأخيرة والقانون هنا في إسبانيا، فالمتقاعد الذي ساهم في الضمان الإجتماعي على طيلة 37 سنة قد يجني كأقصى مبلغ 2.683,34€ شهريا**، لكن هذا العدد سيصل إليه تدريجيا أي بتزايد معين في المئة كل شهر، لكن في هذه المحاولة على إيجاد ثمن هذا الفرد، تركت المبلغ رسمي على طيلة 16 السنة المتبقية منه، لنرى كم تساوي حياته بعد التقاعد!

سنأخذ المبلغ الذي توصلنا إليه أعلاه وسنضربه في 12 شهرا، والنتيجة × 16 سنة؛

2.683,34 × 12 = 32.200,08€

32.200,08 × 16 = 515.201,28€

إذن هل إنتهينا من الحسابات؟ لنتأكد من ذلك؛

وجدنا ثمن الفرد خلال 47 سنة من العمل، و 16 سنة من التقاعد، أي المجموع هو 63 سنة، وكما ذكرنا الفرد سيعيش 81 سنة، إذن فقد بقيت قيمة مراحله الطفولية خلال 18 سنة، الفرد ينتمي إلى الطبقة المتوسطة، أي أن طفولته قد مرت بلا نقصان في الحاجيات الأساسية، حسب آخر الإحصائيات فإن الطفل هنا في إسبانيا يحتاج على الأقل 14.000 يورو سنويا**، لتتوفر له جميع مقومات الحياة ومستلزماتها، والدولة بشكل آخر فهي تساعد الأسر ماديا التي لديها أولاد عموما بلا تخصيص العدد تحديدا.

سنضرب المجموع السنوي في 18 سنة من حياة الفرد الأوروبي في إسبانيا؛

14.000 × 18 = 252.000€

لقد حصلنا على قيمة هذا الفرد خلال فترة طفولته، لكن الآن لنرى المجموع بين مراحل طفولته وعمله وفترة تقاعده؛

وجدنا المجموع خلال مراحل طفولته 18 سنة، وهي 252.000 يورو، ومرحلة عمله 47 سنة وهي 770.800 يورو، وفترة تقاعده 16 سنة وهو 515.201,28 يورو، لنرى المجموع إذن؛

252.000,00€ + 770.800,00€ + 515.201,28€ =

1.538.001,2€

مليون ونصف المليون يورو هو ثمن هذا الفرد الأوروبي في إسبانيا من الطبقة المتوسطة، إنطلاقا من كل هذه المعطيات، أجزم بالقول أن الفرد داخل الطبقة البورجوازية المتوسطة سيكون بين المليون ونصف المليون وثلاثة ملايين، لاعتبارات حياتية-معيشية فاخرة، أما بالنسبة للطبقة العليا فثمن الفرد فيها يقاس بين المليونين و5 ملايين يورو على الأقل لاعتبارات تعود إلى السلطة والنفوذ بغض النظر عن الاستثمارات الاقتصادية، أما بالنسبة للفرد المنتمي إلى الطبقة الدنيا، ففي معظم الأحيان لايتعدى 200 الف يورو، أي ما يعادل 200 مليون سنتيم مغربي، وهذه إشكالية أخرى تعود عواملها إلى نوع العملة وقيمتها والدخل الفردي السنوي ونوع وظيفة العمل، ومستوى الإنتعاش لإقتصاد الدولة، ومعدل البطالة والفقر وما إلى ذلك من أسباب أخرى تأثر على قيمة الفرد داخل المجتمع المدني والدولي.

بالعودة إلى تاريخ الطبيعة للعلاقات البشرية المتبادلة، يعلمنا أن الإنسان كائن مُشَيَّء، والثورة الصناعية كانت منعطفا حاسما في هذا التشييء لأن يصبح الإنسان مشروعا، حياته هي رأس ماله، ويجب عليه استثمار رأس ماله هذا قدر الإمكان، إذا تمكّن من استثمار حياته جيدا فهو ناجح وإذا لم يتمكّن من استثمارها فهو فاشل وخاسر، وهكذا يتشيّأ ويتحوّل هو نفسه إلى شيء.

إذن؛ كيف يستطيع الإنسان أن يعثر على قيمة مضافة غير مُشيَّئَة داخل النظام الرأسمالي في الواقع الأوروبي نموذجا؟

____________________________________________

المصادر؛

**

**

**

**