لماذا لا تعمل الميريتوقراطيا ؟

لعلّك قد سمعت من قبل عن مصطلح الميريتوقراطيا ( Meritocratia ) والذي يعني توزيع الموارد والنفوذ والثروات على الناس وفقاً لاستحقاقيتهم وجدارتهم وهو الأمر الذي يتم قياسه بناءً على مهاراتهم الفردية ، نجاحاتهم وانجازاتهم ، ومقدار الجهد المبذول من قِبلهم في الدفع بعملية التطوير ، فكلما ارتقى الفرد اكاديمياً ومِهنياً كلما زاد بشكلٍ طرديّ نصيبه من النفوذ والموارد فقط في عالم " ميريتوقراطيّ " .

وبالرغم من أن هذا التصور عن الحياة يعدّ تصوراً شديد العدالة والمساواة والمنطقية ، وهو تقريباً الصورة " المثالية " للعالم والتي نقلت الينا وغرست في اذهاننا خلال مرحلة التنشئة كمفاهيم أساسية شكلت منظورنا تجاه الحياة الا ان تصور عالم قائم على الميريتوقراطيا لا يعدو كونهُ عالماً موازياً !

في عالمنا الذي نعيشُ به ستجدُ لاعب كرة لا يملك أيّ مؤهلات تعليمية قد يتخطى دخله السنويّ دخل عالمٍ افنى عمره في مجال البحث العلمي ، كما أن نفوذ نفس اللاعب قد يفوق نفوذ كل جامعات الدولة التي ينتمي لها . كذلك قد تجدٌ ممثلاً بلا موهبة ولا قيمةٍ حقيقيّة يصبحُ في سنوات قليلة رمزاً للشاب الناجح المجتهد وقدوةً ومثلاً أعلى لأبناء جيله .

الكثير منّا يُصاب بحالة من الغضب والاستنكار الشديد في كلّ مرّة يتعرّض فيها لأمثلة مشابهة ، ولكن ما السبب وراء هذا ؟

السببُ هو أن "التصور الميريتوقراطي " الذي تربينا عليه وغرس في أذهاننا منذ الطفولة لا يقدم أي تفسير منطقيّ للنمط الذي يسير عليه العالم بالفعل ، هو لا يخبركَ بأن هناكَ أنماطاً أخرى مغايرة يتم انتهاجها فعلياً ، بشكلٍ يجعلنا نفترض في كلّ مره بأن العالم هو " المُخطئ " عوضاً عن أن نفترض بأن النموذج الذي نحمله في أذهاننا غير صحيح . من هذا المنطلق تنشأ حالة الغضب العارم وصبّ اللعنات تجاه العالم .

هذا يعيدني الى موضوع قد سبق وتحدّثت عنه وهو الجُرم الذي نرتكبه بحقّ أنفسنا وأطفالنا حينما لا نُلقي بالاً بزراعة المفاهيم الصحيحة في أذهانهم منذ الصغر ، ولأني مثل الكثيرين قد نشأت وتربيتُ على المفاهيم الميريتوقراطيّة فإنني اتفهم جيداً هذا الغضب وحالة الاستنكار تلك الا انني بالرغم من ذلك لا أجدها مثمرةً بأي شكلٍ من الأشكال .

لذا سواءً كان هدفنا من الحياة هو تصحيح مفاهيمها وتغيير قواعدها لتتوافق مع ما نراه صحيحاً وعادلاً ، أو كان هدفنا منها مجرّد الفوز بلعبة الحياة ؛ فهناك نقطةُ بداية واحدة لابد أن نمر بها جميعاً وهي : فهمُ العالم " كما هو " ..

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

الا تعتعدين ان التعميم هنا خاطئ؟

من بين كل اللاعبين في العالم، سيكون هنالك افضل ١٠ او ١٠٠ يحصلون على المللايين ولكن ذلك لا يجعلهم عينة نموذجية تحاكي الواقع وانما هم الاستثناء. في علم الاحصاء هم outliers يتم استبعادهم للحصول على نتائج واقعية تمثل الاغلبية