الحيادية والأفكارج

الحيادية والأفكار

أحمد عبدالله علي

بسم الله، والحمد لله.

إننا نتغير بالفعل بصورة غير واعية ومتسارعة، ويتوقف ذلك إلى حد كبير على ما يدخل إلينا من معلومات، وما نمر به من احتكاك وتجارب في حركة الحياة. وبحسب تفاعل الإنسان مع هذه المدخلات، قد يحدث التغيير كل عام، أو كل شهر، أو كل أسبوع، بل ربما كل ساعة أو أقل.

إن الوعي والإدراك والفهم تنتقل داخل الإنسان المرن بسرعة؛ فالإنسان في هذه الحالة يشبه الماء في قدرته على الحركة والتشكل والتأثر بما يحيط به. ومن هنا تصبح الحيادية، وعدم التسلط على الأفكار أو الآخرين، عاملًا يساعد على أن يتدفق التغيير نحو الأفضل، كما يتدفق النهر الجاري.

الحيادية تنفع صاحبها؛ لأنها تمنحه قدرة أكبر على رؤية الأشياء من أكثر من زاوية، ومن منظور منضبط يقترب من الحقيقة بدل أن تحكمه رغباته الخاصة. وكلما تحرر الإنسان من انحيازه لنفسه، أصبح أكثر قدرة على اتخاذ قرارات تراعي الواقع، وتفتح مجالًا أوسع لفهم الآخرين.

أما الأنانية، فإنها قد تدفع الإنسان إلى تجاوز بعض جوانب الحقيقة؛ لأنه لا يرى إلا ما ينسجم مع مصلحته أو تصوره الخاص، وفي النهاية قد يخسر هو ويخسر معه من حوله.

والإنسان غير الحيادي لا يكون بمنأى عن آثار انحيازه؛ فقد يصبح أسيرًا لأفكاره، ويغلق أبواب الفهم أمام ما يخالفها. أما حين ننظر إلى الحياة والوجود بوصفهما منظومة واسعة ومترابطة، فإننا نصبح أكثر قدرة على التمسك بالإنسانية، وعلى العمل من أجل ترسيخ حقوق الإنسان بصورة حقيقية وفعالة، بدل الانشغال بما لا يضيف إلى الإنسان شيئًا.

ليس من الضروري أن يمتلك أحد الحقيقة كاملة حتى نستطيع أن نتعايش. المهم أن نكون قادرين على احتواء الاختلاف، وأن نرى أن لكل إنسان زاوية قد تكشف جانبًا من الحقيقة أو الجمال.

نحن أجزاء من حياة واحدة؛ قد يختلف كل منا عن الآخر، لكن اختلافنا لا يمنع أن يساعد بعضنا بعضًا، وأن تنتقل الأفكار الإيجابية بيننا، وأن ينتقل الإنسان من منطقة وعي إلى منطقة وعي أكثر ارتفاعًا ونضجًا.

والحياد لا يعني غياب الموقف، ولا يعني أن يتخلى الإنسان عن قناعاته؛ بل يعني أن يحاول رؤية الأمور بعيدًا عن هوى النفس. فـهوى النفس قد يعكر صفاء الفكرة، كما يعكر الماء الصافي، وقد يجعل الإنسان متجمدًا داخل أفكاره، فيسيء فهم الآخرين، ثم يسيء التصرف معهم.

وحين يتحرر الإنسان من هذا الأسر، يصبح أكثر يقظة وقدرة على النظر في الأمور بوضوح، وأكثر استعدادًا لمراجعة أفكاره، وفهم اختلاف الآخرين، والوصول إلى قرارات أكثر اتزانًا.

وهكذا يصبح الوعي أكثر نضجًا.

فالأفكار يمكن أن تستعبد الإنسان، وتستخدمه، ثم تتركه فريسة لهواه؛ ويمكن للإنسان، في المقابل، أن يسيطر على أفكاره بوعيه وفهمه وحياده، وأن يستثمرها بصورة ناضجة، بما يدعم نفسه ومن حوله، ويفتح الطريق نحو حياة أكثر نضجًا وازدهارًا.

سلام من الله علينا وعليكم، وعلى الناس أجمعين.

أحمد عبدالله علي


التعليق السابق

أستاذتنا العزيزة جوهر،

سألتِ: هل هناك مشروع للكتابة؟

نعم. وهو مشروع لا يبدأ من فكرة، بل من سؤال. السؤال هو: كيف نستعيد الإنسان قبل أن نستعيد الوطن؟ كيف نُعيد الوعي قبل أن نُعيد البناء؟

هذا المشروع يُكتب في نصوص متفرقة، لكنها تنتمي إلى نسيج واحد. كل نص خيط. وعندما تكتمل الخيوط، يظهر النسيج. وليس النسيج ثوباً جاهزاً، بل طريق.

وسؤالك عن الحياد — «هل الحياد ممكن؟» — هو سؤال المشروع نفسه. لأن المشروع لا يبدأ من موقف، بل من قدرة على رؤية المواقف. ومن هنا، قولك «رؤية الفكرة من زاوية عالية دون قالب» هو المفتاح؛ لأن القالب هو ما يمنع الرؤية.

وسأضيف شيئاً واحداً، ثم أسكت:

الحياد ليس أن لا يكون لك رأي. الحياد أن يكون لك رأي، وتعرف أنه رأي. أن تعرف أنك تنظر من مكان، وأن مكانك ليس كل الأماكن. وهذا — في رأيي — أصعب من ألا يكون لك رأي؛ لأن من لا رأي له لا يحتاج حياداً، ومن له رأي يحتاج أن يراه.

ولهذا أرى الحياد ممارسة، لا حالة. نتدرب عليه، لا نمتلكه. وكلما تدرّبنا، رأينا أكثر. وكلما رأينا أكثر، اقتربنا من الإنسان — لا من الحقيقة المطلقة. لأن الحقيقة المطلقة ليست لنا، وربما ليست لأحد.

شكراً لأنك لم تُطريني. فمن لا يُطري، يفتح باباً للفكر. ومن يُطري، يُغلقه.

سلام من الله عليك.

أحمد عبدالله علي

...هل الحياد ممكن ؟ ولكن لم اسأل هذا السؤال!

أما عن المشروع الذي يبدأ بالسؤال.. اتعلم ان السؤال هو طريقة تفكير واكتشاف لما لم يكشف من قبل وهو يميل للفكر الفلسفي أكثر وانا عندما أريد الكتابة دائما ما يبدأ الموضوع بسؤال ربما هي طريقة تفكيري المهم اتمنى لك التوفيق في مشروعك ويسعدني ان تكون بعض كلماتي ضمنه،أما عن جملتك الأخيرة والتي جعلتني ابتسم فيكفي اني اعتبرتك صديقي المحترم مثل هذه لا يضاهيها أطراء، ففي الحوار الفكري لا اطراء وإنما توافق أفكار أو اختلافها مع احترام الرلي المخالف ودون حكم عليه وهو جوهر موضوعك ...كل التقدير.

أستاذتنا العزيزة جوهر،

قرأت تعليقك مرة، ثم قرأته مرة أخرى. وفي القراءة الثانية، أدركت أنني كنت أقرأ بسرعة. وأعتذر.

لقد نسبتُ إليك سؤالاً لم تسأليه. سألتُ في ردّي: «هل الحياد ممكن؟» — وكأنك سألتِه. وأنت لم تسأليه. أنت قلتِ شيئاً آخر، أعمق: أن السؤال نفسه طريقة تفكير واكتشاف. وأنك عندما تريدين الكتابة، يبدأ الموضوع بسؤال. وهذه إضافة فلسفية، لأنها تنقل السؤال من كونه أداة للجواب، إلى كونه أداة للكشف. والسؤال الذي يكشف، ليس سؤالاً يبحث عن إجابة، بل سؤال يفتح أفقاً.

وأما جملتك عن الحوار الفكري، فهي الجوهر:

«في الحوار الفكري لا إطراء، وإنما توافق أفكار أو اختلافها، مع احترام الرأي المخالف دون حكم عليه».

هذه الجملة تجيب على سؤال الحياد — دون أن تسأليه. لأنها تقول: الحياد ليس أن تقف من الأفكار موقفاً محايداً، بل أن تختلف دون أن تحكم، وأن توافق دون أن تُطري. وهذا جوهر موضوعي كله. لم أكتبه بهذا الوضوح، وأنتِ قلته في سطر.

وأما قولك إن المشروع يسعدك أن تكون بعض كلماتك ضمنه — فهذا شرف لي، لا لك. لأن المشروع لا يكتمل إلا بأصوات مثلك.

وأما جملتي الأخيرة التي جعلتك تبتسمين، فقد قلتِ فيها ما هو أكثر منها: «يكفي أني اعتبرتك صديقي المحترم. مثل هذه لا يضاهيها إطراء». وهذا صحيح. الصداقة الفكرية أعلى من الإطراء، لأنها تقوم على التوافق أو الاختلاف، لا على المجاملة.

سلام من الله عليك.

أحمد عبدالله علي

نعم اتضحت الفكرة الان ،ساتابع كتاباتك وأرجو أن اتلقى نقدك لكتاباتي لان قراءتك للفكرة تكون أعمق و وليس لها قيد فهي أشبه بقراءة أفكار دون تأطيرها ونظرتك لها أبعاد مختلفة وطالع إنساني وانا من محبي النقد كيف كان لأنه يطور الإنسان و بيني فكره أكثر... شكرا لك.

أستاذتنا العزيزة جوهر،

طلبتِ أن أتلقى نقدك لكتاباتي، وأن أُعطيك نقدي لكتاباتك. وهذا طلب يستحق أن يُقابل بالقبول، لا بالشكر.

أوافق. وأعدك أن أقرأ كتاباتك قراءة نقد لا مجاملة، لأنك — كما قلتِ — من محبي النقد. وأنا أيضاً. والنقد الذي لا يطور، ليس نقداً. والنقد الذي لا يفتح أفقاً، ليس نقداً. النقد الحقيقي هو الذي يرى ما لم يقله النص، لا ما قاله فقط.

وأشكرك على ثقتك في قراءتي. لكنني أريد أن أرد الجميل: أن أقرأ كتاباتك بنفس الطريقة التي أقرأ بها كتاباتي — لا أُطري، ولا أُحاكم، بل أفتح. وأرجو أن تفعلي الشيء نفسه معي. فلا حوار بلا نقد، ولا نقد بلا احترام.

سلام من الله عليك.

أحمد عبدالله علي