السكون والسكينة

السكون

وكأني خرجتُ في رحلة بحثٍ لم تكن بالخارج أكثر منها بالداخل، وكأن عجاج السنين، وتلوّث الأجواء، وخوف الحروب التي تخوضها الأنفس بين مدٍّ وجزر، وانهمارٍ وتدفّق، وانهيارٍ وبناء — الكل يجاهد بما يراه بطريقته هو، فلا أحد غيرك هو من يحاربك — ورمي الظنون والشكوك، وإظهار الامتنان والشكر، كلها تشكّل إعصارًا يدوي بهم، وكأني نجوت.

لأرى بوضوح ما تقبع فيه تلك الأنفس، تربّعت على جبل السكون، وغدوت أشاهد تلك المناظر وأفهم معانيها.

وكنت أصرخ تارة، وأهمس تارة أخرى: لا، لا، هذا كذا، وذاك ما أدّى إلى كذا. ولكن لم ينتبه أحد لصوتي أو وجودي، فهم غارقون يبحثون في غياهب أنفسهم عن أجوبة لتساؤلاتهم. أدركت بعد برهة أنه لا بد أن يصل كل شخص باجتهاده إلى جبل السكون، ليرى ما لا يمكن لأحد أن يراه.

رأيت أبنائي كيف يجاهدون أنفسهم ليصل كل واحد منهم إلى الرضا عن نفسه بإرضاء الله ووالديه. وإخوتي كيف يبني كل واحد منهم صرحه ليتربّع على عرش مجده. أما كبار السن الذين تدلّ نظرات أعينهم أنهم في عالم الروح، وألسنتهم لا تقدر أن تترجم ما ترى، فتنزعج وتدلي بترهات العالم المادي.

وأمي، التي تجاهد تلك النفس التي لم تكمل ما رجَته، لكن قلبها يقدّر محاولاتها؛ فقلبها رحيم من نور، لا يقدر أحد أن يراه إلا إن ملك شجاعة يسلك بها ذلك الدرب المظلم المخيف ليظهر على جنة الخلد.

فما أراه في الواقع لا يمثّل ما أراه في الباطن، لأن كل نفس تجسّد عالمها بأفكارها، فمنها تظهر طبيعة الأشخاص من حولها.

لم يكن لله يدٌ في هذا أبدًا، بل منحهم قدرة خارقة لمن أحسن عبادته حقًا، بالنفس الكلية والروح الأبدية التي تدلّهم على المسالك الإلهية.

فكل خوف في داخل الإنسان يظهر في شريكه أو أبنائه؛ فقد تكون الزوجة صالحة عابدة وزوجها عكسها تمامًا، فيظن الناس أنها ظُلمت بذلك الزوج. لا، الله لا يظلم أحدًا؛ فهذه أسرار تقبع في الأعماق، ومخاوف ومعتقدات تتجلّى للخارج على أشكال عدة، كتنوّع أفراد العائلة.

هناك، وهنا، وحينذاك، تقدر أن تغيّر الأقدار بالإدراك، وشفاء تلك الجراح بالعلوم الباطنية.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

لا يوجد تعليقات بعد، كن أول من يبدأ النقاش