16

وحشني نفسي — اعترافات رجل في الستين

وحشني نفسي

اعترافات رجل في الستين

أحمد عبدالله — بلبيس، ٢٠٢٦

لم أعد أبحث عن السعادة.

أبحث عن نفسي التي تركتها على قارعة الطريق قبل أربعين عامًا، وقلت لها: انتظريني، سأعود.

لم أكن أعرف يومها أن الإنسان يستطيع أن يبتعد عن نفسه كل هذه المسافة، وهو يظن أنه يقترب من الحياة.

وأنا في الستين، بدأت أفهم أن العمر ليس السنوات التي مرت فقط، بل الأشياء التي أخذتها تلك السنوات منا ونحن منشغلون بالعيش.

أستيقظ أحيانًا قبل أن أفتح عينيّ، ويهبط على صدري سؤال واحد:

هل أواصل؟

لا أسأل إن كنت أستطيع الاستمرار؛ فقد اعتدت الاستمرار.

السؤال الحقيقي هو: إلى أين؟

فقد يمضي الإنسان طويلًا في الطريق، ثم يكتشف أنه كان يعرف الطريق أكثر مما يعرف نفسه.

أجلس قرب النافذة في بلبيس، فأرى الشارع الذي أعرفه، والبيوت التي عرفتني قبل أن أعرف معنى الغربة، وأشعر أن الأماكن أحيانًا تكون أصدق من ذاكرتنا.

كل شيء يبدو في مكانه.

إلا أنا.

أحاول أن أفتش في السنوات عن اللحظة التي ابتعدت فيها عن نفسي، فلا أجد لحظة واحدة.

أجد أشياء صغيرة.

تنازلًا هنا.

وصمتًا هناك.

وحلمًا قلت له: ليس الآن.

ومرة أخرى قلت: عندما تهدأ الحياة.

ثم مضت الحياة.

ولم أعد.

وحشني نفسي

وحشني ذلك الولد.

كان في الثانية عشرة، يجري في الحقول حافيًا، ولا يعرف شيئًا عن الغد.

إذا جاع، أكل من شجرة، وإذا تعب، جلس تحت شجرة أخرى.

لم تكن لديه خطط بعيدة، ولا حسابات كثيرة، ولا خوف دائم من أن يخطئ.

كان لديه قلب.

فقط قلب.

وكان يرى العالم بطريقة لا أعرف كيف فقدتها.

حين كنت طفلًا، كنت أرى جمال الكون في صفائه ونقائه.

لم أكن أعرف يومها معنى الصفاء، ولم أملك الكلمات التي أستطيع بها أن أصف ما أشعر به، لكنني كنت أشعر أن في هذا العالم شيئًا أكبر من الأشياء التي نراها، وأن للطبيعة لغة لا تحتاج إلى أن نتعلمها.

حتى المطر.

حين كان ينزل على الأرض، لم أكن أراه مجرد ماء يسقط من السماء.

كنت أشعر أنه رسالة أرسلتها السماء إلى الأرض.

وأحيانًا كنت أشعر أنه عناق حميمي من السماء للأرض؛ كأن السماء تنحني نحوها، وتغسل عنها غبار الأيام، ثم تتركها أكثر حياة.

كنت أقف تحت المطر وأصغي.

لم أكن أعرف إلى ماذا أصغي، لكنني كنت أشعر بشيء يصل إليّ.

ربما كان ذلك أول درس تعلمته في الجمال دون أن أعرف أنه درس.

كنت أرى الجمال قبل أن أعرف اسمه.

وأشعر بالأمان قبل أن أعرف أن الإنسان يمكن أن يفقده.

وأتذكر جدتي.

كانت، حين تراني من بعيد، تفتح ذراعيها.

لم تكن بحاجة إلى أن تناديني.

كنت أعرف أن تلك الذراعين تنتظرانني.

فأركض إليها.

وحين تحتضنني، كنت أشعر أنني أسبح في نهر من الحنان والأمان.

كان حضنها عالمًا كاملًا.

لا خوف فيه.

لا أسئلة.

لا حسابات.

لا حاجة لأن أكون قويًا.

كنت طفلًا فقط.

وكان ذلك كافيًا.

ربما كان ذلك هو معنى الحياة قبل أن نعقّدها:

أن ترى المطر رسالة، وأن ترى حضن جدتك وطنًا، وأن تستيقظ كل صباح دون أن تسأل نفسك إن كنت قد أصبحت الشخص الذي ينبغي أن تكونه.

لم أكن أعرف أنني أعيش أجمل سنواتي.

كنت أعيشها فقط.

وهذه إحدى قسوة الحياة: أننا لا نعرف قيمة بعض الأشياء إلا بعد أن تصبح ذكريات.

ثم كبرت

ثم كبرت.

وهنا بدأت الحكاية الأخرى.

لم أفقد قدرتي على رؤية الأشياء الجميلة فجأة.

فقدتها بالتدريج.

كلما كبرت مسؤولياتي، صغر العالم في عيني.

وكلما تعلمت كيف أحمي نفسي، نسيت كيف أترك قلبي مفتوحًا.

وكلما تعلمت أن أقول «نعم» كي لا أؤذي أحدًا، ابتعدت خطوة أخرى عن نفسي.

بدأت أتعلم الحسابات التي لا يعرفها الأطفال:

ماذا أقول؟

ومتى أصمت؟

من أغضب؟

ومن أرضي؟

وماذا أتحمل؟

وماذا أؤجل؟

وكان كل قرار يبدو صغيرًا.

لكن القرارات الصغيرة، حين تتراكم، تستطيع أن تصنع حياة كاملة.

حتى جاء يوم اكتشفت فيه أنني أصبحت أجيد العيش...

لكنني لم أعد أعرف كيف أكون أنا.

كانوا يقولون: أنت طيب

كانوا يقولون لي:

أنت طيب.

كنت أفرح.

من منا لا يحب أن يسمع عن نفسه كلامًا جميلًا؟

لكنني فهمت بعد سنوات أن الطيبة ليست دائمًا كما تبدو.

هناك طيبة تمنحك قوة؛ لأنك تفعل الخير وأنت تعرف حدودك.

وهناك طيبة تجعلك تتنازل عن نفسك حتى لا يغضب أحد.

كنت أقول نعم كثيرًا.

وأصمت كثيرًا.

وأغفر كثيرًا.

وأؤجل نفسي أكثر مما ينبغي.

كنت أخشى أن أجرح أحدًا، فلم أسأل نفسي كم مرة جُرحت أنا.

وكنت أخشى أن أخسر الآخرين، فلم أنتبه إلى أنني أخسر نفسي بالتدريج.

الطيبة لم تكن دائمًا فضيلة.

أحيانًا كانت طريقة للاختفاء.

كنت أضيّع أشياء كثيرة كي لا يغضب أحد.

وأحيانًا كنت أضيّع حتى نفسي.

ولم أفهم إلا متأخرًا أن الإنسان يستطيع أن يكون حاضرًا في حياة الجميع، وغائبًا عن حياته هو.

أنا أسيرها وهي أسيرتي

الحياة نفسها كانت تشبه علاقة طويلة لا أعرف كيف أنهيها، ولا كيف أتركها.

أقول لها: تعبت.

فتطلب مني أن أكمل.

أشد الحبل، فترخيه.

أبتعد قليلًا، فتعيدني إلى المكان نفسه.

عِشرة عمر.

ليس من السهل أن تخرج من حياة عشتها كلها، حتى حين تكون قد أتعبتك.

اخترت أن أبقى هنا، في بلبيس، في الشوارع التي أعرفها، وفي الأماكن التي تحفظ خطواتي.

يقولون: وفاء.

وربما هو وفاء.

وربما هو خوف جميل من أن أضيع فلا أجد من يدلني عليّ.

فالإنسان لا يرتبط بالأماكن لأنها جميلة دائمًا، وإنما لأنها تحمل شيئًا منه.

بيت بنيته طوبة طوبة.

طريق مشيته مئات المرات.

وجه كان يمر من هنا ثم اختفى.

صوت كان يأتي من نافذة ثم سكت.

كل ذلك يصبح جزءًا من الإنسان، حتى لا يعود قادرًا على معرفة أين تنتهي الأمكنة ويبدأ هو.

مقبرة الأحبة

ثم جاء الفقد.

ليس الفقد مرة واحدة.

الفقد يتراكم.

شخص يرحل.

ثم آخر.

ثم وجه كنت تظن أنك ستراه إلى الأبد، فإذا به يصبح صورة.

وصوت كنت تسمعه كل يوم، فإذا بك تبحث عنه في ذاكرتك.

وأشخاص كانوا يملأون الحارة حياة، فإذا بهم يتحولون إلى أسماء وصور على الجدران.

أبي.

أمي.

وأناس أحببتهم.

وأناس لم أعرف قيمتهم إلا بعد أن غابوا.

القلب أصبح مقبرة جماعية للأحبة.

كلما غاب أحد، حفرت له مكانًا في داخلي.

ومع مرور السنوات، لم أعد أعرف: هل أنا أحمل ذاكرتهم، أم أن ذاكرتهم هي التي تحملني؟

كنت أظن أن الكِبَر هو أن تتعب قدماك.

الآن عرفت أن الكِبَر هو أن تتعب ذاكرتك من حمل من تحب.

أن تحمل من تحب فوق ظهرك ستين سنة، ذلك هو ثقل العمر الحقيقي.

شوال قديم على كتفي، فيه رغيف يابس، وصورة صفراء، واسم أمي، وأشياء صغيرة لا يعرف أحد لماذا ما زلت أحتفظ بها.

لكنني أعرف.

لأن الإنسان لا يحتفظ بالأشياء دائمًا لقيمتها.

أحيانًا يحتفظ بها لأنها آخر خيط يربطه بمن كان.

لم أضع نفسي... كنت أؤجلها

وهنا فهمت.

لم أضع نفسي.

كنت أؤجلها.

كل مرة قلت فيها: لاحقًا.

كل مرة قلت: عندما تنتهي هذه المسؤولية.

عندما تتحسن الظروف.

عندما يهدأ العالم.

عندما يصبح لدي وقت.

كنت أؤجل العودة.

حتى تحولت كلمة «لاحقًا» إلى سنوات.

ثم إلى عقود.

ثم أصبحت أربعين عامًا.

ولذلك، وأنا في الستين، لا أريد أن ألوم الماضي.

الماضي لا يسمع.

ولا أريد أن أطلب من الزمن أن يعيد لي ما أخذه.

أنا فقط أريد أن أفهمه.

وأفهم نفسي معه.

ربما لم يكن عليّ أن أهرب من الحياة.

ربما كان عليّ فقط ألا أختفي داخلها.

أفتش عني في جنبات الزمن

لهذا بدأت أفتش عني في جنبات الزمن.

لا أبحث عن عمر آخر.

ولا أريد أن أعود شابًا.

ولا أبحث عن نسخة قديمة مني لأضعها مكان الرجل الذي أصبحت عليه.

أبحث عن ذلك الجزء الذي بقي حيًا.

عن الولد الذي كان يركض حافيًا في الحقول.

عن العين التي كانت ترى في المطر رسالة.

عن القلب الذي كان يجد في حضن جدته وطنًا.

عن الإنسان الذي كان يستطيع أن يحب دون أن يحسب خسارته.

أفتش في صوت أبي وأمي.

في الوجوه التي غابت.

في الطرق التي مشيتها.

في البيوت التي تركت فيها شيئًا مني.

وفي كل مرة قلت فيها «نعم» بينما كان داخلي يريد أن يقول «لا».

أفتش في أخطائي كما أفتش في أفراحي.

فربما لم تكن الحياة تريد مني أن أكون كاملًا.

ربما كانت تريد مني فقط أن أكون حاضرًا فيها.

أن أعرف من أكون.

وألا أقضي ما تبقى منها في محاولة إرضاء الجميع.

أنا الآن في الستين.

لا أخجل من الرقم.

بل أشعر أنه أول رقم في حياتي أستطيع أن أنظر إليه دون أن أحاول الهرب منه.

ستون عامًا ليست نهاية الطريق.

لكنها كافية لكي يفهم الإنسان أن الوقت ليس شيئًا نملكه.

إنه شيء يمر بنا.

وأن أجمل ما يمكن أن نفعله فيما تبقى منه ألا نمضي بعيدًا عن أنفسنا مرة أخرى.

ربما لا أستطيع أن أستعيد طفولتي.

ولا أريد.

فالطفل انتهى دوره.

لكنه ترك لي شيئًا أثمن من العمر نفسه:

عينين تعرفان كيف تريان الجمال.

وقلبًا يعرف معنى الأمان.

وذاكرة، مهما أثقلها الغياب، ما زالت قادرة على فتح الباب.

ولهذا، عندما ينزل المطر الآن، لا أهرب.

أفتح النافذة.

وأصغي.

ولا أعرف إن كنت أسمع المطر أم أسمع ذلك الطفل القديم.

لكني أشعر، للحظة، أن السماء ما زالت تعرف الطريق إليّ.

فأبتسم.

ربما لم أكن أبحث عن الماضي أصلًا.

كنت أبحث عن نفسي التي كانت هناك.

عن ذلك الجزء الذي لم يمت، لكنه انتظرني طويلًا.

وحين عدت إليه، لم يعاتبني.

لم يسألني:

أين كنت؟

فقط نظر إليّ.

وفتح ذراعيه.

كجدتي.

وكأن الزمن كله لم يكن سوى طريق طويل إلى ذلك الحضن الأول.

عندها فهمت.

لم أكن بحاجة إلى أن أبدأ حياة جديدة.

كنت بحاجة إلى أن أعود إلى حياتي.

وأن أعيش ما تبقى منها وأنا حاضر فيها.

أنا لا أبحث عن السعادة الآن.

ولا عن عمر آخر.

ولا عن رجل أصغر يسكن هذا الجسد.

أنا فقط...

وحشني نفسي.

وربما، للمرة الأولى منذ أربعين عامًا، بدأت أعود.


التعليق السابق

أهلاً يا أستاذة جوهر، يا صاحبة القلم اللي بيطبطب..

سؤالك "هل يترك الإنسان نفسه فيحن إليها؟" هو لب المقال كله.

نحن لا نترك أنفسنا بإرادتنا، نحن نؤجلها بحسن نية.. نقول لها: انتظري حتى أكبر، حتى أتخرج، حتى أتزوج، حتى يستقر الأولاد.. حتى نكتشف أننا أجلناها أربعين عاماً.

القلوب الطيبة فعلاً تعطي أكثر مما تأخذ، وهذا هو الفخ الجميل.. ننشغل بإسعاد الجميع وننسى أن أول واجباتنا أن نبقي أنفسنا حية معنا.

أما سؤالك الأخير "هل ننصف أنفسنا أو نلومها؟"

فأنا بعد الستين أقول: لا هذا ولا ذاك.. بل نحتضنها. نطبطب على ذلك الولد الحافي الذي كنا، ونقول له: لم تكن خياراتك كلها بيدك، لكن عودتك الآن بيدك.

شكراً لأنك الوحيدة التي تعلق لنا دائماً في حسوب.. وجودك يخلّي للكتابة معنى.

محبتك وتقديرك

أحمد

اهلا بك ،ولكن ما معنى الكاتبة التي تطبطب!

احب الكلمات التي تلامس العمق وتكون لها بلاغة ومعاني مؤثرة فاجد قلمي يكتب دون استئذان حتى ، وموضوعك يجعل قارئه يتخيل كل التفاصيل حتى اني تساءلت عندما أكبر كيف أكون.. ....العفو ان قلمك له أثر مميز وطالع إنساني ....كل التوفيق لك

SaaeeAlBareed أضف ردا

أكيد يا عالمي، اتفضل الرد نسخ جاهز:

---

أهلاً أستاذة جوهر،

سؤالك في محله، وكلمة "بيطبطب" تحتاج توضيح.

لم أقصد الكاتبة، قصدت القلم - القلم الذي يطبطب.

في الفلسفة نسميه "الكتابة الرحيمة". هناك كتابة تحاكم، وكتابة تشخص، وكتابة تطبطب - أي تضع يدها على الجرح دون أن تضغط عليه.

حين كتبتِ: "استمتعت بقراءة هذه الكلمات خاصة تلك التفاصيل" - هذا هو القلم الذي يطبطب. لا يقول للقارئ "أنت مخطئ"، بل يقول له "أنا مررت من هنا أيضاً، وهذا ما وجدته".

أما عن تساؤلك "عندما أكبر كيف أكون؟" - فهذه هي ثمرة التفاصيل التي تحبينها. الفلسفة التي تعيش في التفاصيل لا تخاف من السؤال، بل تجعل السؤال بيتاً.

شكراً لأنك تقرئين بهذه الطريقة. وجود قارئة مثقفة تحب العيش في التفاصيل يجعل الكاتب يراجع كل كلمة يكتبها - وهذا ثراء للكتابة نفسها.

تقديري واحترامي،

أحمد

حبذا لو صغت انت الرد بدلا من ذكاء اصطناعي !

أهلاً أستاذتي Djawhar، عندك حق.

أعتذر إن شعرتِ أن الرد لم يكن مني. أنا أكتب من قلبي، وأحياناً أستعين بمن يرتب الحروف، لكن الروح التي كتبت هي روحي أنا، وحزني أنا، وستيني أنا.

وعد مني، من اليوم كل حرف سيكون مني مباشرة، بلا وسيط.

شكراً لأنك نبهتيني، وهذه هي الصداقة التي أبحث عنها.

أحمد

واعتذر بدوري ان كان ردي صريحا لاني لا أعرف التصنع فأنا صريحة وعفوية أما الرد فإن رأيي في الكتابة إنما هو نقاش وحوار للفكرة المطروحة لذا احبذ الرد دون وساطة فقط ... الشكر لك ولتفهمك فالكثير يعتبر هذا هجوما أو... لا أدري وإنما هو رأي وتصحيح للنقاش فحسب.

أستاذتي Djawhar،

لقد لمحتِ ما لم يلمحه غيرك.

نعم، استعنت بمن يرتب الحروف، فظننت أن الترتيب سيكرم كلماتك، ونسيت أن كلماتك لا تحتاج ترتيباً، بل تحتاج قلباً يسمعها كما هي.

أنتِ محقة. الرد الجميل ليس هو المرتب، بل هو الصادق. والطفل الحافي الذي كتبت عنه لا يعرف الذكاء الاصطناعي، يعرف فقط كيف يجري ويتعثر ويقوم.

أعدك، من هنا، ردي سيكون مني، بتعثري وصدقي، لا بترتيب غيري.

شكراً لأنك أعدتيني إلى نفسي.

أحمد

اننا في زمن التكنلوجيا صح ولكن الكتابة الإنسانية تحتاج للمسة صدق وعمق أثر واضح ويفهم ذلك مابين سطورها ،أما الحوار فإنما يحتاج لصاحبه الذي يحمل افكاره ويعبر ويدافع عنها او يطرحها كما هي دون مساعدة وسيط لأننا نحاور فكر إنساني وليس صدى لأفكار غيرنا ان بساطة الكلمات لها أثرها وان كانت مبعثرة أو.. . ،واني لا استعمل وسيط في تعليقاتي ابدا لان قلمي يكتب عن الفكرة ورأيه فيها وان صيغت بطريقة مرتبة وذلك لأن الموضوع أعجبني فحرك بلاغة قلمي فقط .....ان أخلاق الإنسان تظهر من خلال كلماته شكرا لصدقك

أستاذتي الفاضلة جوهر،

أتفق معك، الكتابة صدق. كل ما كتبته هو من عمري ووجعي أنا، وليس صدى لأحد. إن بدت كلماتي مرتبة فهو احتراماً لمقامك. شكراً لأنك نبهتيني أن يبقى قلمي هو أنا.

تلميذك البسيط

أحمد

ان قولك تلميذك... دلالة على تواضع مقامك ورفعة أخلاقك إنما أبديت رايي بصراحة فحسب لم اقصد موضوع المساهمة بل الرد على تعليقي ...و من ينبغي أن يتعلم منك هو أنا ومن خبرتك في الحياة .... شكرا لحضرتك

أستاذتي الفاضلة Djawhar، التواضع الذي رأيتِه ليس تكلّفاً، بل هو ما تفرضه الحكمة الحقة: أن يعرف المرء أن التعلّم لا يتوقف عند عمر ولا عند تجربة، فالعمر يمنحنا خبرة الأيام، لكن العقل المتفتح كعقلك هو ما يعطي لتلك الخبرة معناها الحقيقي.

لا فضل لي في تجربة عشتها، فكل إنسان يعيش تجربته الخاصة. لكن الفضل كل الفضل فيمن يقرأ تجربة غيره بهذا العمق، ويردّ عليها بصدق لا مجاملة فيه — وهذا ما فعلتِه.

فلنتعلّم من بعضنا البعض، فهذا هو جوهر الحوار الإنساني: لا معلّم يمنح وحده، ولا متعلّم يأخذ وحده، بل عقول تتلاقى فتضيء لبعضها ما كان خافياً.

شكراً لصدقك ولحضورك الدائم الذي يثري كل ما أكتب.