دائماً ما كانت تجذبني قصة السيدة هاجر وسعيها بين الصفا والمروة، الموقف الذي لم يكن مجرد سعياً، بل وكأنه مواجهة صريحة مع العدم، امرأة بمفردها، رضيع يبكي، صحراء قاحلة، وأسباب النجاة مستحيلة، كان التساؤل الذي يجوب خاطري ليس كيف نبع الماء، بل كيف طاوعتها قدمها لتصعد الصفا وتنزل المروة سبع مرات كاملة وهي تعلم يقيناً ان الجبلين لا يوجد فيهما ذرة ماء.

قرأت كثيراً في علم النفس عن حالة الجمود الناجم عن الخوف، عندما تتعقد الأسباب وتغلق الأبواب يميل العقل البشري غريزياً إلى التوقف لحماية ما تبقى من طاقة ليُفعل وضعية النجاة الأخيرة، وهذا سلوك شهير جداً حتى في عالم الحيوان عندما يشعر حيوانٍ ما بخطر شديد يتظاهر بأنه ميت، فالمنطق هنا يقول ألا نُبذل مجهود فالطريق مغلقاً، لكن الواقع يثبت أن النجاة لا تأتي للمنتظرين، بل لأولئك الذين تحركوا حتى وهم لا يملكون فرصة للنجاة.

فنحنُ نربط السعي بالنتيجة المضمونة، لا أحد يخاطر في الحركة إلا بعد أن يرى ضمان، ولكن الحقيقة أنه لا يوجد ضمان أبداً لأي شيء، فعندما ترفض الاستسلام حتى وأنت في أحلك الظروف، لا يوجد لديك شيئاً لتخسره، فما المشكلة إذن لتحاول، لن تخسر أكثر من خسارتك.

ما أدركته حقاً هو أن الخوف لم يكن عائقاً أبداً أمام السعي، العائق الحقيقي هو اشتراط الطمأنينة قبل السعي، وأن هؤلاء الذين ينتظرون الطمأنينة والضمان في عالم لا يوجد به أي ضمان، غالباً ما تنتهي حياتهم وهم واقفين في نفس النقطة.