12

لماذا وصلت الوحشية في الغش لهذا المدى من أجل المال ؟

منذ أيام رأيت خبر كارثي لمصنع أطراف صناعية يغش في مواد التصنيع ودوائر الحركة وفي المقابل كل الأطراف التي أخذها ذوي الإعاقة سببت تدهور لهم جسدي وآخر مادي بسبب الاضطرار لشراء أطراف أخرى!

وقتها قلت أن هذه حالة شاذة تماماً ولا مجال لأن يصل الغش وانعدام الضمير لهذه الدرجة، ولكن ما يقدمه العالم اليوم في الجرم والقسوة فاق التخيل.

فبعدها ذهبت مع أخي للطبيب بعد تدهور صحة أخي الصغير، والطبيب أقسم أنني السبب بسبب عدم التزامي بدواء أخي، بينما أنا أقسم انني لا أفوت جرعة منه، لكي نتفاجئ كلانا بعد رؤية الطبيب لعلبة الدواء أنه مضروب! تذوق منه ملعقة فقال هذا ليس هو.

عدت للصيدلي الذي عاد للمورد وأبلغت بعدها لكن انتهت الأمور بالفشل حتى الآن دواء الأطفال من هذه الشركة مضروب وجاري البحث.

دواء نفس لطفل مريض معرض للموت يغش فيه البعض لأجل المال... فلماذا وصل الغش لهذه الدرجة حتى نضحي بالغير لأجل المال ؟


ببساطة، لأن لغة العالم الآن هي المال؛ فنحن ندور في دائرة مغلقة لا يعذر فيها أحد الآخر عند التعثر في الدفع، ولم يعد أحد يقف بجانب الآخر. الجميع لديهم التزامات في ظل أزمات اقتصادية عالمية متتالية، والمتطلبات الأساسية للحياة تزداد صعوبة كل يوم، لذا فإن ما نراه هو نتيجة منطقية؛ فالعالم ليس مثالياً وكل منا يريد أن يعيش. ولكن للأسف، أصبح الاحتياج الشديد للمال يطغى على أي شيء آخر، حتى وإن كان على حساب الأخلاق والمبادئ.

ولكن شركات الأدوية تتعامل باسترخاص للحصول على أكبر عائد ممكن، هي لا تتعامل بعقلية مواطن بسيط يسعى للحصول على لقمة العيش مثلًا، النتيجة المنطقية هي بسبب فساد بعض القائمين على جهات الرقابة، أو التلاعب بالقوانين لصلاحهم، أو حتى ما نراه من تعاقدات بين شركات الأغذية والأدوية حتى لا تقدم الخيرة أخطار صحية نتيجة تناول منتجات تخص الأولى، في مقابل الترويج للأدوية بصفتها الحل لكل المشكلات، هي مشكلة غياب أي مبادئ كما ذكرتي، لكن ليست نتيجة منطقية لضيق الحال.

الأمر يبدأ من مواطن بسيط يقرر أن يبيع مبادئه من أجل المال، فيشعر بلذة المال أكثر وأكثر؛ ومع الوقت، من الممكن أن يصبح هذا المواطن من رجال الأعمال، أو من أصحاب شركات الأدوية مثلاً، أو يملك أي منصب حساس، ويظل متعطشاً لزيادة المال. لقد أصبح هذا التعطش وسيلة لتعويضه عن مبادئه وعن كل شيء خسره في طريقه، فالأمر يبدأ بمرة واحدة يبيع فيها الإنسان مبادئه، ثم يصبح الأمر عادياً وتكراره سهلاً، إلا إذا استيقظ ضميره في لحظة ما.

أنا لا أعمم هذا النموذج على الجميع بالتأكيد، ولكنني كنت أوضح وجهة نظري عن طريقته وآلية حدوثه في الواقع.

هل طبيعي حتى أننا نمتلك مبررات لهذا ليس واحد بل أكثر كما ذكرتي منهم ؟ أصل كوننا نبرر معنى ذلك أننا نتكيف والتكيف قد يجعلنا نفعل فيما بعد، حسنا لو قبلنا التبرير ألم يكن أفضل الغش في جودة قميص أو خامة جزمة هل طبيعي في طرف صناعي ودواء اطفال ؟

هذا ليس تبريراً، فأنا معترفة ببشاعة الفعل، ولكنني في الوقت ذاته أدرك أن العالم ليس مثالياً، بل هو عالمنا الآن الذي تغلب عليه القباحة والوحشية.

أما بالنسبة لسؤالك، فأنا أرى أن من يغش في جودة قميص أو خامة حذاء، يمكنه ببساطة أن يغش في طرف صناعي؛ فالغش هو الغش، وبيع المبادئ والضمير هو بيع المبادئ والضمير أياً كانت الحالة أو السلعة