دائمًا ما تخرج علينا نغمة يكررها بعض المثقفين، مفادها أن مصر في الخمسينات كانت "أوروبا الشرق"، حيث الفتيات يسرن بـ "الميني جيب" في الشوارع دون مضايقات، وأن الحجاب مجرد "غزو وهابي" طرأ علينا.

لكن، دعونا نترك العواطف جانبًا ونستخدم "المنطق" والأرقام لنرى الحقيقة خلف الستار.

1. خدعة الكادر الضيق (أين كانت النساء؟)

عندما تشاهد صورة قديمة لشارع قصر النيل، ستنبهر بالأناقة. لكن قف قليلًا وتأمل.. كم امرأة تظهر في الصورة؟

الواقع يقول إن عدد النساء في الشارع كان ضئيلاً جدًا. لم يكن المجتمع "متحرراً"، بل كانت المرأة ببساطة "محبوسة" في المنزل.

  • الحقيقة: التحرش لم يكن غائبًا بسبب "الرقي"، بل بسبب "الفراغ". تعداد مصر وقتها كان 22 مليون نسمة فقط. الزحام الذي نعيشه اليوم هو المحرك الأول لظواهر التحرش، وليس نوع الملابس.

2. "الميني جيب" وتزييف التاريخ

يستشهد البعض بـ "الميني جيب" كرمز للخمسينات. هذه سقطة تاريخية مذهلة!

  • الحقيقة: "الميني جيب" لم يخترعه العالم (ماري كوانت) إلا في عام 1964.
  • فكيف كان زياً شعبياً في مصر قبل ذلك بعشر سنوات؟ الحقيقة أن من ظهرن به كنّ "قلة قليلة" من طبقة مخملية، قمن بتقليد صرعة عالمية في أواخر الستينات، ولم يكن يوماً زياً لكل المصريات.

3. الأرقام لا تكذب (فجوة التعليم)

يقولون إن المجتمع كان منفتحاً ومتعلماً. لننظر إلى إحصائيات الدولة في تلك الحقبة:

  • الأمية: في منتصف الستينيات، كانت نسبة الأمية بين الإناث تتجاوز 70%.
  • الابتدائي: نسبة التحاق البنات بالتعليم الابتدائي كانت بين 35% إلى 40% فقط.
  • الجامعة: نسبة الطالبات لم تتخطَّ 20% بنهاية الستينات.
  • الاستنتاج المنطقي: هؤلاء النسوة (70% أميات) في القرى والنجوع، ماذا كنّ يرتدين؟ كنّ يرتدين "الملاية اللف" و"البرقع"، وهو زي أكثر انغلاقاً من الحجاب الحالي بمرات.

4. من هم أبطال "الصورة"؟ (الأصول العرقية)

لو نظرت إلى أبطال وصنّاع "زمن الفن الجميل" الذين شكّلوا وعينا، ستجد مفاجأة:

  • أحمد رمزي: أمه إسكتلندية.
  • رشدي أباظة: أمه إيطالية.
  • ليلى مراد: أصول بولندية ومغربية.
  • نيللي وشيريهان: أصول أرمنية.
  • ستيفان روستي: نمساوي إيطالي.
  • هؤلاء لم ينقلوا واقع "الست المصرية" في طنطا أو قنا، بل نقلوا نمط حياة عائلاتهم "الأوروبية" التي كانت تعيش في مصر. السينما كانت "يوتوبيا" أو حلمًا جميلاً، وليست مرآة للشارع.

5. هل الحجاب "وهابي" أم "حداثي"؟

التفسير الأسهل هو رمي كل شيء على "الوهابية". لكن التفسير العلمي أعمق:

  • الزحف الريفي: في السبعينات، وبسبب مجانية التعليم، خرجت ملايين الفتيات من القرى والطبقات الكادحة للجامعات والعمل.
  • تحديث الزي: هؤلاء الفتيات لم يكنّ "سافرات"، بل كنّ يرتدين "الملاية والبرقع" في قراهن. وعندما نزلن للمدينة، استبدلن هذا الزي الثقيل بـ "الإيشارب والبلوزة" ليكون أكثر عملية وحداثة.
  • الحجاب كان "درعًا اجتماعيًا" سمح للمرأة بالتحرك في زحام السبعينات الخانق والعمل في بيئة مختلطة، مع الحفاظ على هويتها المحافظة.

الخلاصة:

مصر لم تكن "سافرة" ثم "تحجبت". مصر كانت دائماً محافظة، لكن "الكاميرا" كانت موجهة فقط لـ 5% من النخبة والأجانب وسكان القصور.

عندما تعلمت المرأة وخرجت للشارع في السبعينات، ظهر "الواقع" المختبئ خلف الجدران، وظنّ البعض أنه "تغيير"، بينما هو في الحقيقة مجرد "ظهور" للحقيقة التي كانت السينما تخفيها.

توقفوا عن جلد ذواتكم.. نحن لم نكن "أوروبا" يوماً، نحن فقط كنا نشاهد أفلاماً أنتجها أوروبيون يعيشون في مصر.