هل الفن الحقيقي يأتي من خارجنا؟

هناك نوع من الفن لا يطرق الباب… بل يدخل مباشرة إلى وجدانك .. يستقر في داخلك دون استئذان .. وكأنه يعرفك أكثر مما تعرف نفسك. هذا هو الفن العميق.

في المقابل .. هناك فن آخر يبدو مألوفًا أكثر من اللازم .. لأنه ليس سوى إعادة تدوير لما هو موجود أصلًا من أفكار ومشاعر .. مجرد اجترار للعقل لا أكثر.

عبر التاريخ .. حاول الإنسان تفسير هذا النوع الأول من الفن… ذلك الذي يبدو وكأنه "لا يأتي من هنا".

في الهند القديمة .. كانوا يرون أن الشعر والأدب لا يصدران عن الإنسان وحده .. بل تمليه قوى عليا .. ويُستشهد كثيرًا بالشاعر والمسرحي كاليداسا (Kalidasa) .. أحد أعمدة الأدب السنسكريتي .. الذي بلغ من الجمال والعمق ما جعل أعماله تبدو وكأنها وحي أكثر منها صناعة بشرية.

وفي التراث العربي .. نجد فكرة وادي عبقر .. حيث يُعتقد أن هناك شياطين تُلهم الشعراء .. ومن هنا جاءت كلمة "عبقري". لم يكن الإبداع عندهم مجرد مهارة .. بل اتصال بعالم خفي.

أما في الغرب .. فحتى شكسبير .. الذي يُعد من أعظم من كتب المسرح والشعر .. يُنسب تميّزه إلى ما يسمونه "الإلهام" .. وكأنه تدفّق من مصدر غير مرئي.

آلهة .. شياطين .. إلهام… تختلف التسميات .. لكن الفكرة واحدة: هناك شيء يتجاوز العقل العادي.

المدارس الروحية الحديثة تختصر كل ذلك في مفهوم "الطاقة الخلّاقة" أو "الذكاء الكوني" .. وتقول إن هذا المصدر متاح للجميع .. لكن بشرط واحد: أن تُفسح له المجال.

العقل المليء بالضجيج لا يستقبل شيئًا.

أما حين يهدأ… حين يتوقف الاجترار .. ويحدث نوع من الفراغ الداخلي .. يصبح الإنسان أشبه بقناة يمر عبرها هذا الإبداع.

ربما لهذا السبب .. لا يولد الفن العظيم من التفكير المفرط… بل من لحظة صمت صافية.

الفرق للمتلقي هو ان الفن الحقيقي غذاء للروح واتساع للوعي بينما الفن العادي مجرد اجترار لما هو موجود في عقلك من الأساس والأسوأ حينما يكون مجرد إستفراغ نفسي اراح "الفنان" من العبئ ويتلقاه المتلقي بدون وعي ويحصد القلق والتوتر والامراض النفسية ..

من افضل علماء المسلمين الذين تحدثوا عن الفن بهذا المعني في الاسلام الأستاذ محمود محمد طه .. في محاضرته "الإسلام والفنون" .. فهو  لم يبحث عن الفتوى بل عن الفلسفة .. ولم يضع الفن في خانة الشبهة .. بل في خانة الطريق إلى الله .. ولأن رؤيته تجعل الفن وسيلة ترقية روحية وجمالية لا أداة لهو فارغة ..