لاحظت في السنوات الأخيرة أن البودكاتس ذات المشاهدات العالية جدًا هي التي بُنيت على أزمات شخصية، وأصحابها يكونون من الانفلونسرز، ومثال لذلك هو بودكاست "المتزوجون"، إحدى الحلقات حصدت ما يقرب من ثلاثة مليون مشاهدة، في حين أن القصة نفسها لا تستحق أي شيء، ولا تعكس مثلًا مشكلة اجتماعية للزواج يمكن للمشاهد الاستفادة منها، لكنها تتحدث عن علاقة سامة جدًا لاثنين، والأمر نفسه رأيته في بودكاستس أخرى لسيدة اتخذت من قصة طلاقها كاريرًا جديدًا في البودكاست، هذا بجانب البودكاست التي تكون بلا وجهة من البداية، أو كما نقول "بلا هدف"، وتنجح مثلًا بعض الحلقات نجاحًا كبيرًا بفعل التريند، ثم لا يحقق البودكاست أي شيء لاحقًا، فما السبب في رأيكم؟ هل الأزمات الشخصية أصبح مكان نقاشها مع الجمهور؟
لماذا أصبحت الأزمات الشخصية مادة خام للبودكاست؟
تحليل ثاقب ، يضع الأصبع على ظاهرة سوسيولوجية ونفسية معقدة تحكم المشهد الرقمي اليوم؛
فنحن فعلاً نعيش عصر "تسليع الصدمات"
وتحويل الخصوصيات إلى سلعة عالية القيمة التسويقية.
يميل العقل البشري غريزياً للاهتمام بالأزمات والفضائح أكثر من النصائح الجافة.
ما يحدث في قصص الطلاق أو العلاقات السامة ليس تقديماً لحلول، ولكنها استغلال لغريزة التلصص؛ حيث يشعر المشاهد بنوع من "الراحة النسبية" أو التفوق الأخلاقي حين يراقب أزمات الآخرين، وهو ما يفرز هرمونات مكافأة سريعة في الدماغ تدفعه لإكمال الحلقة.
الجمهور لا يتابع القصة لأنها تستحق، فقط لانه ترند وايضاً لأن "الإنفلونسر" بنى رابطاً عاطفياً وهمياً مع متابعيه عبر فترة. حين يفتح المشهور "صندوقه الأسود" يشعر المتابع أنه يشارك شخصاً نموذجاً أسراره، مما يرفع نسب المشاهدة بشكل جنوني لقصص قد تكون تافهة بمعايير القيمة، لكنها "دسمة" بمعايير الخوارزمية والترندات.
اقتصاد التريند فالخوارزميات لا تهتم بالمعنى ابداً ، اهتمامها الأول والأخير هو "معدل الاحتفاظ بالمشاهد" الدراما تضمن بقاء المشاهد لفترة أطول، مما يدفع الخوارزمية لاقتراح الفيديو لملايين آخرين، فيتحقق "النجاح الأفقي" (انتشار واسع بلا عمق)
أصبحت الأزمات الشخصية تُناقش علناً لأن "الخصوصية" باتت هي العملة الوحيدة التي لم تُستهلك بعد في سوق المحتوى.
الجمهور ملّ من المثالية الزائفة، حتى ان أكثرهم لايبحث عنها ولايريدها، لقد اصبح يبحث عن "الحطام البشري" ليشعر بواقعيته، وهو ما حوّل قضايا الزواج المعقدة إلى مجرد "استعراض" يفقد المجتمع قدرته على التحليل العميق.
ناقش علناً لأن "الخصوصية" باتت هي العملة الوحيدة التي لم تُستهلك بعد في سوق المحتوى
لقد اصبح يبحث عن "الحطام البشري" ليشعر بواقعيته،
الخصوصية مستهلكة من زمان، التيكتوك قائم أصلًا على انتهاك الخصوصيات، فيديوهات فضائح أو رقص أو خناقات عائلية بث مباشر، أو أفعال غريبة ومريبة تُذاع مباشرة أيضًا، يعني الخصوصية أصبحت هي العام الآن، لا يوجد أي تفاصيل شخصية حقيقية، تخيّل أن شخص دخله الحقيقي من نشر محتوى عن كل تفاصيل حياته الشخصية، كيف يؤتمن على أية أسرار؟ّ!
أما بالنسبة للاهتمام بالحطام البشري بدلًا من المثاليات، فأنا معك أن الواقع أفضل، ولكن ما نراه ليس واقعًا، هو ترويج لأي شيء غير طبيعي واستغراب القصة الطبيعية ونقول عليها "مثالية" لأنها لا تحتوي عناصر محددة نقيس بها المعاناة والأسى والبكاء وغير ذلك، ألا ترى ذلك؟
أنتِ محقة تماماً؛ التيك توك والمنصات الأخرى حوّلت الخصوصية من "حق إنساني" إلى "رأسمال وظيفي". عندما يصبح دخل الشخص قائماً على نشر أدق التفاصيل، فنحن هنا لا نتحدث عن "مشاركة" نحن نتحدث عن أداء
في علم النفس الاجتماعي، هذا الشخص يفقد القدرة على "الأمانة على الأسرار" لأن عقله تبرمج على تحويل كل حدث إنساني إلى "مادة خام لصناعة المحتوى" و هنا يختفي "الإنسان الحقيقي" ليحل محله "الممثل الدائم".
اتفق معكِ جداً في نقطة "المثالية" المزعومة. ما يحدث الآن هو قلب للمفاهيم؛
فالقصة الطبيعية الهادئة المستقرة أصبحت تُصنف كـ "تزييف" أو "مثالية مملة"، هل فهمتٍ القصد؟
بينما القصة التي تحتوي على صراخ، خيانة، ودموع أصبحت هي "الواقع".
نحن نعيش ما يسمى بـ "تنميط الوجع" أي أن القصة لكي تُقبل "كواقعية" يجب أن تحتوي على عناصر "درامية" محددة (بكاء، فضيحة، صدمة). إذا خلت القصة من هذه العناصر، اتُهم صاحبها بالمثالية الزائفة. نحن أمام " مونولوج" جديد يفرض أن يكون "القبح" أو "الانكسار" هو المعيار الوحيد للحقيقة.
أصبتِ كبد الحقيقة حين قلتِ إن ما نراه ليس واقعاً، نعم إنه واقع مفرط، بتعبير لأحد الفلاسفة هو واقع مصمم خصيصاً ليثير الصدمة. المشكلة الكبرى ليست في وجود هذه القصص، ولكن في كونها أصبحت "المرجع" الذي قد يقيس به الناس حياتهم. عندما يشاهد الملايين علاقة سامة، يبدأون في الشك في علاقاتهم الهادئة، وكأن "الهدوء" هو خلل في الطبيعة البشرية!
الخلاصة:
نحن أمام "بورصة للمشاعر" دعينا نسميها هكذا بورصة، و كلما زادت حدة الوجع المصور، زادت قيمة الأسهم. والضحية الكبرى هي "الحياة الطبيعية البسيطة" التي أصبحت تُهمّش لأنها غير مربحة خوارزمياً.
التعليقات