تتواتر بأستمرار الأحداث التي تؤكد لنا على ما ينتشر داخل المجتمع من عنف مكبوت قد تتعدد أسبابه، لكن لا يختلف إثنان على خطورته التي ينبغي أن نفكر فيها تفكيراً طويلاً حتى نستطيع أن نتجنب الإنفجار الذي قد يحدث في أي وقت في المجتمع، إن إمتلاك مواطن لسلاح خرطوش بهذه السهولة يكشف لنا ما نعيش فيه من إنفلات أمني غير خفي قد يؤدي لانفجار في أي لحظة إذا توتر المجتمع مرة أخرى، لقد أستخدم هذا المواطن سلاحه الخرطوش بكل سهوله في وجه طفل ووالده بدم بارد غير مكترث بما تسبب به من ذعر وأذى لهذا الطفل المسكين، وهذه الحوادث تتكرر بأستمرار وغالباً ما يكون الباعث عليها إما ( الشرف) أو ( الإرث) وقد ناقشت أثناء سفري مع سائق صعيدي هذا الأمر فحدثني عن الكثير من الحوادث التي كان فيها الأب يقتل أبنته بدم بارد مع من أخطأت معه لرد شرفه، ثم يفتخر بالسجن دون إكتراث لرؤيته أنه أعاد شرفه المستباح، أو يقتل لإستعادة إرثه مستدلاً على ذلك بأن من مات دون أرضه أو ماله فهو شهيد!، وتذهب الكثير من الأرواح بهذه الطريقة في التفكير دون أي إستفادة لأي طرف، ما يثير دائماً تساؤلي هو كيف نستطيع أن نتخلص من العنف في الوعي الجمعي، هل علينا أن نفرغ الوعي الجمعي من مفاهيمه الموروثة التي تربط بين الشرف والدماء حتى نستطيع أن ننتهي من هذه الحالة؟ أم علينا أن نقنعه بأن مؤسسات الدولة جديرة بالثقة في إستعادة الحقوق وأن القانون إن لم يعاقب المذنب فهذا لا يعطينا الحق في إسترداد حقوقنا بأيدينا، لا أعلم لكننا إن أستمرت عاداتنا تسير بهذا المنوال فلن نصل إلا إلى المزيد من الخراب
واقعة الخرطوش، و واقعة فرد الأمن، يعيدون التأكيد على ما في المجتمع من عنف مكبوت
سبب العنف ليس في ثقافة الشرف أو الخلافات على الإرث وحدهما، فهناك عوامل أخرى مؤثرة مثل الفقر، وضعف التعليم، والضغوط النفسية، واهم نقطة سهولة الحصول على السلاح. والمشكلة انه حين يشعر المواطن أن التقاضي يستغرق سنوات، أو أن بعض القضايا لا تُحسم بعدل وسرعة، يضعف إيمانه بجدوى اللجوء للمؤسسات رغم ان هذا غير مبرر طبعا.
حسناً كل هذه عوامل تشترك معاً في رسم الصورة التي نراها وتلوينها، لكننا قطعنا شوطاً كبيراً في التعليم مثلاً وإنقراض الجهل، اليوم أجهل جاهل يعرف كيف يقرأ ويكتب، والسوشيال ميديا والتلفاز سهلوا دخول كل بيت وعقل، وإنتشار الأفكار أصبح سهلاً كإنتشار النار في الأشجار، حتى الفن اليوم يدخل كل بيت ويناقش أي فكرة لم تكن لتناقش في الماضي بهذه السهولة، والضغوط النفسية نعلم جميعاً أن التربية لها دور فيها ولكن أرى إنتشار الوعي بالتربية السليمة أصبح عاماً نعم ليس في كل الثقافات داخل بلادنا، لكنه في طريقه للإنتشار، أعتقد أن المعضلات المتبقية والتي تحتاج للتدخل فقط هي الأعراف المتوارثة والتي لم نتخلص منها بعد وهي السبب في غياب العقل والغيرة الشديدة التي يترتب عليها الموت، وأيضاً مشكلة التقاضي واللجوء للمؤسسات كما تفضلتي، ثم أيضا مشكلة فشل الخطاب الديني، أرى أن هذا الثلاثي إن تعاملنا معه في الفترة القادمة يمكننا حل الأزمة، لكن أولاً علينا تجفيف منابع الغضب والكراهية التي يتصاعد حجمها في النفوس يوميا داخل بلادنا
لكن صراحةً في الفترة الأخيرة وزارة الداخلية تقدم أداءً مبهرًا وأصبحوا حتى يهتموا بالشكاوي والاستغاثات الإلكترونية، وحتى لو انتشر ڤيديو يقوموا بالتحقيق في الوقائع ولو لم يتقدم أحدهم ببلاغً رسمي.
تطبيق القانون هو الحل وهذا ما يجب إقناع الناس به، لكن القيام بأخذ الحق باليد سيزيد العداوات والتعدي على الآخرين وسيقع ضحايا أبرياء وكأننا بغابة.
وزارة الداخلية لها جهد مشكور في الفترة الأخيرة، أعتقد أنها لطالما كان لها جهودها لكن لم تكن تعلن عنها في البداية، لكنها الأن تعلن عنها بشكل جيد، لكن في النهاية أيضاً لازالت هذه الجهود غير كافية لإنتشار المجتمع من الحالة التي سقط فيها، لطالما كان هناك عقاب للقاتل والسارق لكن مع ذلك لم تنتهي أحداث السرقة أو القتل، المعالجة لا يجب أن تكون قانونية فقط، بل يجب أن نبحث عن المسببات التي تخلق هذه الظواهر ونستأصلها من المجتمع تماماً
التعليقات