في كتاب الصلابة النفسية للمؤلف بوعيطة حسام الدين حكى لنا المؤلف عن قصة شخص اسمه "كولن" عندما رفضه المجتمع من حوله انهارت صحته النفسية والجسدية وأصبح عاجز عن المشي، لكن بعدها ظهرت بنت اسمها "ماري" في حياته وبمشاعرها الإيجابية نحوه عادت الصحة والنور إلى حياته. كذلك قال الكاتب أن النساء التي تعاني من حياة زوجية غير مستقرة تصاب بضعف في الحالة العقلية وبتغيرات سلبية في الحالة الجسدية وبالفعل لن نرى امرأة معنفة في حياتها الشخصية وفي نفس الوقت مبتهجة وناجحة بل في الغالب تظهر حياة الإنسان على وجهه، ومما رأيت بنفسي كذلك أن الرجال يصابون بأمراض القلب وضغط الدم بسبب عدم وجود توافق وسلام بينهم وبين زوجاتهن، أو بسبب ضغوطات أعمالهم أو ضياع ثرواتهم لأن الحالة الجسدية والنفسية مرتبطة تماماً بأحداث حياة الإنسان.
كيف يكون الإنسان صاحب مصيره بينما الأشخاص والأحداث حوله تؤثر بعمق على حالته العقلية والجسدية؟
أعتقد أن هناك نقطة اختلاف جوهرية في زاوية النظر إلى الإنسان نفسه قبل الحديث عن كونه صاحب مصيره أو لا.
الذين يقولون إن الإنسان صاحب مصيره لا يقصدون الإنسان بوصفه كائناً نفسياً هشّاً يتشكل بالكامل بردود فعل المجتمع والأحداث .. بل يقصدون الإنسان الواعي بذاته .. المدرك أنه ليس مجرد جسد يتفاعل مع الظروف ثم ينكسر أو يزدهر تبعاً لها.
فإذا نظرنا إلى الإنسان باعتباره مجرد نتاج للبيئة والعلاقات والضغوط .. فبالتأكيد سيكون أشبه بدمية تحركها الأحداث. عندها يصبح مثال "كولن" منطقياً جداً .. شخص ينهار عندما يرفضه الناس .. ويستعيد حياته فقط عندما يمنحه الآخرون القبول والمعنى. هنا المصير فعلاً خارج يديه.
لكن طرح "الإنسان صاحب مصيره" ينطلق من مستوى أعمق. الإنسان ليس فقط حالته النفسية أو الجسدية .. بل وعي قادر على ملاحظة هذه الحالات دون أن يكون أسيراً لها. الجسد يمرض .. النفس تتأثر .. لكن الوعي يستطيع أن يختار كيف يستجيب.
ولهذا نجد في كتاب الكارما: دليل اليوغي لصياغة مصيره للمفكر سادغورو فكرة محورية تقول إن الكارما ليست قدراً مفروضاً .. بل هي تراكم لأنماط الاستجابة اللاواعية. كلما ازداد وعي الإنسان .. قلّت سيطرة الظروف عليه.
بمعنى آخر .. الأحداث تؤثر نعم .. لكنها لا تحدد المصير إلا بقدر غياب الوعي.
فالإنسان غير الواعي تعيشه الحياة .. أما الإنسان الواعي فيعيشها.
لذلك قد نرى شخصين يمران بنفس المعاناة الزوجية أو الضغوط المهنية .. أحدهما ينهار صحياً ونفسياً .. والآخر يخرج بنضج وهدوء أكبر. الفرق ليس في الحدث .. بل في مستوى الإدراك الداخلي.
من هذا المنطلق .. عبارة "الإنسان صاحب مصيره" لا تنفي تأثير العالم الخارجي .. لكنها تقول إن التأثير ليس الكلمة الأخيرة.
لأن المصير .. في النهاية .. ليس ما يحدث لنا… بل كيف نكون نحن أثناء ما يحدث.
لا يملك الإنسان تقرير مصيره بالكامل فعلاً، من أجل توضيح فكرتي سأطرح مثال لشخص من عرق أقل يعيش في بلد تتميز بالعنصرية، قد يستطيع صديقنا هذا أن يحاول تقرير مصيره ويندمج في المجتمع ويحاول أن يصل ويكون سيد كباقي الأسياد، لكن في النهاية لن يسمح له المجتمع بذلك، وكل ما سيحدث فعلياً هو أن هذا الشخص قد يتصرف برفعة السيادة لكن لن يملك فعلاً ما يملكه الأسياد سواء من التقدير المعنوي أو العاطفي أو المادي.
أتفق معك أن الإنسان لا يختار كل الظروف التي يولد فيها .. لكن هذا لا يعني أن المجتمع يحدد سقف مصيره بشكل مطلق. التاريخ مليء بأشخاص وُضعوا داخل ظروف كان يفترض أن تسحقهم… لكنها لم تفعل.
خير مثال على ذلك محمد علي كلاي.
ولد رجلاً أسود في أمريكا الستينات .. في زمن كانت فيه العنصرية مؤسسية لدرجة أن أصحاب البشرة السوداء مُنعوا من دخول بعض المطاعم والأماكن العامة. وفق منطق أن المجتمع يقرر المصير .. كان ينبغي أن يبقى في الهامش مهما حاول.
لكن ما فعله كلاي كان العكس تماماً.
منذ بداياته .. وقبل الشهرة والمال .. كان يردد بثقة: "أنا الأعظم". لم تكن مجرد عبارة غرور .. بل إعلاناً داخلياً عن هوية يختارها لنفسه قبل أن يعترف بها العالم. لم ينتظر التقدير الاجتماعي حتى يؤمن بذاته .. بل آمن أولاً فاضطر المجتمع لاحقاً للاعتراف به.
وعندما فُرض عليه التجنيد للذهاب إلى حرب فيتنام .. رفض رغم أنه كان يعلم أن القرار سيكلفه لقبه الرياضي وأمواله وربما مستقبله كله. قال إن الحرب لا تمثله ولا تمثل قضيته .. فسُحبت منه بطولاته وتم إيقافه لسنوات. ومع ذلك لم يتراجع… وفي النهاية تراجعت أمريكا نفسها أمام ثباته وأُعيد اعتباره.
حتى في ممشى النجوم في هوليوود .. رفض أن توضع نجمته على الأرض احتراماً لاسمي "محمد" و"علي" .. فتم استثناؤه ووُضعت نجمة Hollywood Walk of Fame الخاصة به على الجدار بدلاً من الأرض .. وهو استثناء شبه فريد.
القصة هنا ليست أن المجتمع لم يؤثر عليه .. بل أنه لم يسمح للمجتمع أن يعرّف قيمته أو يحدد هويته الداخلية.
الظروف قد تضع حدوداً للبداية .. لكنها لا تفرض حدوداً للنهاية دائماً.
المجتمع يستطيع أن يؤخر الإنسان .. لكنه لا يستطيع إيقاف إنسان يعرف نفسه حقاً.
لذلك ربما الأدق أن نقول:
الإنسان لا يختار ظروفه… لكنه يختار موقفه منها .. وهذا الاختيار هو بداية صناعة المصير.
صحيح أن الإنسان يستطيع ملاحظة حالاته، لكن هناك مشاعر وأنماط سلوك تتشكل عبر سنوات وتعمل في مستوى لا واعٍ، ما يجعل السيطرة عليها أصعب من مجرد إدراكها.
ووجود أشخاص يخرجون أقوى من الأزمات لا يعني أن كل إنسان قادر على ذلك بنفس الدرجة. بعض الناس يحتاجون دعمًا خارجيًا لمعالجة الألم بدل الاكتفاء بفكرة الاعتماد على الوعي وحده. الإنسان يستطيع تحسين استجابته، لكن لا يستطيع دائمًا تغيير الحدث أو نتائجه الأساسية.
التعليقات