ننظر إلى الاغتراب غالبًا بوصفه فرصة: دخل أفضل، استقرار مادي، وأفق أوسع. لكننا نادرًا ما نتوقف لنسأل عن الضريبة غير المكتوبة التي تُدفع بصمت. قبل أيام التقيت بصديقٍ مغترب جاء في زيارته السنوية لأهله، وكنت أظن أن اللقاء سيكون مليئًا بالحماس والقصص، لكنه فاجأني بجملة بقيت عالقة في ذهني: "أشعر أنني أصبحتُ ضيفًا في بيتي." لم يكن يقصد أن أهله تغيّروا أو أن المحبة خفّت، بل كان يتحدث عن تحوّل داخلي عميق؛ فهو لم يعد جزءًا من التفاصيل اليومية، لا يعرف من اختلف مع من، ولا يتابع من مرض ثم تعافى، ولا يعيش ضغط الفواتير أو هموم الحي أو المزاج العام للأسرة. صار حضوره احتفالًا عابرًا لا امتدادًا طبيعيًا للحياة.
الأصعب أنه اعترف لي بأنه لم يعد مهتمًا فعلًا بتفاصيل مشاكلهم اليومية، لا لأن قلبه قسا، بل لأن حياته الحقيقية أصبحت في مكان آخر؛ اهتماماته، ضغوطه، قلقه، وطموحاته هناك حيث يعمل ويقيم. الاغتراب لا يسرقك دفعة واحدة، بل يعيد ترتيب أولوياتك بهدوء حتى تجد نفسك موزعًا بين مكانين دون أن تنتمي كامل الانتماء لأي منهما. ورغم ذلك، مدّد إجازته عدة أيام بدافع الحنين، أراد أن يشتري وقتًا إضافيًا مع رائحة البيت القديمة وضحكات الطفولة التي لم تعد كما كانت. تواصل مع رب عمله في الخارج وأقنعه بالبقاء أيامًا إضافية، وكان في صوته شيء من الانتصار الصغير، لكنه سرعان ما أتبعه باعتراف أكثر قسوة: "الأيام الإضافية هذه ستجعلني غير قادر على المجيء السنة القادمة." عندها فهمت المعادلة جيدًا؛ الاغتراب يمنحك قدرة مالية وفرصًا أوسع، لكنه يفرض عليك حسابًا عاطفيًا دقيقًا، فكل يوم تبقى فيه هنا يُخصم من فرصة قادمة، وكل قرب مؤقت قد يوسّع فجوة مستقبلية.
الاغتراب ليس بطولة تُصفَّق لها ولا خيانة تُدان، بل هو صفقة واضحة الشروط: تأخذ دخلًا أفضل وخبرة أوسع وأبوابًا جديدة، وفي المقابل تخسر العفوية في علاقاتك، وتتحول من عنصر يومي إلى حدث سنوي، وتجد نفسك تشاهد حياتك الأولى وكأنها فيلم قديم تحبه لكنك لم تعد تعيش داخله. الحقيقة التي لا يحب أحد الاعتراف بها أننا لا نكسب شيئًا كاملًا في هذه الحياة؛ كل مكسب يحمل ضريبته، وكل اختيار يُقصي احتمالًا آخر. الهجرة تعطيك مساحة وتأخذ منك جذورًا، والاستقرار يمنحك أمانًا ويأخذ منك مغامرة، والقرب يمنحك دفئًا لكنه قد يحرمك من فرصة بعيدة. صديقي لم يكن نادمًا ولا كان سعيدًا تمامًا، كان فقط واقعيًا، مدركًا أن الحياة لا تمنحنا شيئًا بلا مقابل، وأن النضج ربما يكون في فهم هذه المعادلة لا في البحث عن صفقة بلا ثمن.
التعليقات