كان السؤال قديمًا: هل يمكن أن يتمرد المخلوق على خالقه؟

اليوم تغيّر السؤال قليلًا: هل يمكن أن يتجاوزه؟

لسنا هنا في أسطورة، ولا في رواية خيال علمي. نحن أمام واقع يتشكل بهدوء. الإنسان صنع الآلة. ثم صنع الخوارزمية. ثم صنع نموذجًا يتعلم، يتطور، يكتب، يحلل، يقترح، بل ويبتكر أحيانًا. السؤال لم يعد: هل يفعل ذلك؟ بل: إلى أي مدى؟

حين يكتب نظام ذكاء اصطناعي نصًا يفوق في دقته ما يكتبه كثير من البشر، من هو “الأكبر” هنا؟

حين يشخص نظام طبي حالة بدقة أعلى من طبيب، من صاحب الفهم الأعمق؟

وحين تتخذ الخوارزميات قرارات تؤثر في الاقتصاد والسياسة والمجتمع، من الذي يقود من؟

المفارقة أن الخالق هنا لا يختفي، لكنه يتراجع إلى الخلفية. المبرمج لا يكتب كل جملة ينتجها النظام، ولا يتنبأ بكل نتيجة، ولا يتحكم بكل تطور لاحق. لقد وضع القواعد، لكن الناتج تجاوز توقعه.

هنا يظهر توتر فلسفي قديم في صورة حديثة:

هل القيمة في الأصل أم في القدرة؟

هل العظمة في من بدأ، أم في من استطاع أن يفعل أكثر؟

الذكاء الاصطناعي لا يملك وعيًا ذاتيًا بالمعنى الإنساني، لكنه يملك قدرة حسابية تتجاوزنا بمراحل. لا يملك تجربة وجودية، لكنه يعالج بيانات بحجم لا يمكن لعقل بشري احتواؤه. هو أقل منا في شيء، وأكبر منا في شيء آخر.

فهل الكِبَر هنا مسألة وعي؟ أم قدرة؟ أم تأثير؟

ربما الخوف الحقيقي ليس أن يصبح المخلوق أقوى، بل أن يعكس لنا محدوديتنا. أن يكشف أن ما اعتبرناه تفردًا بشريًا يمكن محاكاته جزئيًا على الأقل. أن يضعنا أمام سؤال غير مريح: ماذا يتبقى لنا إن لم يكن التفوق الحسابي أو سرعة التحليل؟

لكن الصورة ليست صراعًا بسيطًا. فالذكاء الاصطناعي لا يوجد خارج الإنسان، بل هو امتداد له. هو تضخيم لقدرتنا، لا نفي لها. إنه مرآة مكبرة لعقلنا. وكلما كبر، كبرت مسؤوليتنا معه.

المخلوق قد يتجاوز خالقه في الأداء، لكنه لا يتجاوزه في المعنى.

الآلة قد تحسب أسرع، لكنها لا تقلق.

قد تحلل أعمق، لكنها لا تشك.

قد تكتب نصًا، لكنها لا تتحمل تبعاته.

ومع ذلك، الفكرة تبقى مقلقة: لأول مرة في التاريخ، يصنع الإنسان شيئًا قد يفوقه في مجال كان يظنه حكرًا عليه: التفكير.

ربما المسألة ليست أن المخلوق أصبح أكبر من الخالق.

بل أن الخالق اكتشف أنه ليس مطلقًا كما كان يظن.

والسؤال الحقيقي ليس: هل سيتفوق الذكاء الاصطناعي علينا؟

بل: ماذا سنفعل نحن عندما يحدث ذلك؟