قال لي صديقي: أتدري أني اتبعت طريقة جديدة مع ابنتي بشأن دراستها، وأظن تلك الطريقة قد أراحتنا جميعا، وأتأمل أن يكون أثرها مفيدا جدا في المستقبل.

قلت: ما هي؟ فإني محتاجها مع أولادي فقد بدأت ألاحظ تغيرا في مستوياتهم الدراسية.

قال: هي والله تصلح لكم، ولكنها لا تعجبك! نعم، لن تعجبك لأول وهلة، ولا أدري عنك بعد ذلك، أنت وضميرك

يا سيدي لقد كنت شديد الحرص والمتابعة لابنتي في مدرستها وأمها أيضا كذلك، كنت لا أرضى أن تنقص عن الدرجة الكاملة في أي اختبار في أي مادة، وإذا حصل أن نقصت نصف درجة قلنا لها بماذا أخطأت؟ ولماذا؟ يقول وهذا دأبنا معها، متابعة حريصة لكل شيء من غير تعنيف، ومناقشة لكل سلوك من غير تخويف، حتى قلت لها مرة: لقد شكا معلم الرياضيات أن مستواك قد نزل، وأنكِ لست التي كانت في بداية السنة! يقول: فبكت وأخذت تدافع عن نفسها وأنها تحاول جهدها أن تكون الأولى ولا تدري لم هذا التغير. قالت كل ذلك وهي تبكي وتنشج!

يقول: فتفكرت في هذه الوردة الغضة التي يتقطع نفسها من البكاء، وعلى ماذا؟ ومن أجل ماذا؟ من أجل أني أريدها المتفوقة جدا، الحاصلة على المراكز الأولى! من أجل درجات نقصت بسبب إنها إنسانة تسهو وتنسى وتفقد التركيز ويلتبس عليها الأمر ويؤثر عليها مزاجها ومزاجنا ومزاج من حولها في المدرسة!

يقول: ثم تفكرت إلى أي مرحلة سيوصلها هذا الضغط؟ وفي أي حالة نفسية ستكون الآن وغدا؟ إذا كان هذا نصيبها كل يوم في المدرسة وفي البيت. توقعات عالية نطلبها منها، ومحاسبات ربما على السهو والنسيان! كيف لنفس إنسانية أن تنجو سليمة وهي منذ أن كانت غضة وهي تتعرض كل يوم للهيب اللوم، وجفاف الإحساس بها، ونريدها أن تنمو باسقة وتؤتي ثمرها طيبا ناضجا؟!

والله لن تنجو! يقول صديقي وأضاف: أصبحت أقول لها لا بأس يا بنتي بالنتيجة الناقصة لأنك بشر، ولا نريدك منك الكمال لأنك لست ملك. فهدأت نفسها وهدأت نفوسنا، واستقامت نفسية بنتنا، ورأيت أثر ذلك في إنسانة متفاءلة غير مرهقة تتقبل الأخطاء وتتجاوز التحديات ذات تقدير عال لنفسها وامتنان على إنجازاتها. فأيقنت أن السلامة النفسية أهم من التفوق الدراسي، والأسرة الناجحة والمدرسة الحقيقية هما من يتخرج منهما أبناؤنا بنفسيات سليمة!