12

لماذا نلوم المُطلقة التي تترك أولادها لتتزوج مرة أخرى؟

أرى هذا السيناريو يتكرر مرارًا: إمرأة يتنهي زواجها، وبعد فترة، تقرر الزواج من جديد. لكن للقيام بذلك، قد تضطر (أو تختار) التنازل عن حضانة أطفالها، ليعيش الأطفال مع والدهم.

هنا يبدأ لوم المجتمع لها: "كيف يمكنها التخلي عن أطفالها؟" "يالها من أنانية!"، لقد فضّلت رجلًا جديدًا على أطفالها." 

حقًا الحكم يكون قاسيًا جدًا وغير متسامح مع الأم التي تختار إعادة بناء حياتها العاطفية، حتى لو كان لا يعني تخليها الكامل عن الأطفال، وإنما تغيير دورها الأساسي فقط كـ مقدم رئيسي لرعاية الأطفال.


لأن الناس تفترض – خطأً – أن "الأمومة" عقد عبودية، وأن الأم لازم تضحي دائمًا مهما كان الثمن، بينما الأب لو تزوج من جديد ما حدا بيحاسبه.

فاللوم مش نابع من منطق، بل من معايير اجتماعية منحازة: بيشوفوا الأم كرمز للتضحية المطلقة، وأي قرار يخرج عن الصورة النمطية يُعتبر “تخلّيًا”.

ببساطة: المجتمع بيحاسب المرأة على شيء ما بيحاسب الرجل عليه.

ولمَ لا يلزم قانون الحضانة الأب والأم بالمساواة التامة في وقت الرعاية بعد الانفصال؟

لو ألزمنا الطرفين بالتساوي في التضحية الشخصية، ففي هذه الحالة، سيتلاشى اللوم الموجه للأم لأنها ستكون مثل الأب في مساواتها للرعاية.

المساواة الكاملة في وقت الرعاية تبدو فكرة عادلة على الورق، لكنها عمليًا لا تخدم الطفل دائمًا.

الطفل يحتاج استقرارًا واحدًا لا جدول 50/50 يتنقّل فيه كل بضعة أيام.

كما أن دور الأب بعد الانفصال يصبح متركّزًا أكثر في العمل والإنفاق وتأمين الأمان، بينما دور الأم يميل إلى تفاصيل الحياة اليومية. فالمساواة الشكلية قد لا تكون عدلًا حقيقيًا إذا تجاهلت اختلاف الدور والظروف.

القضية ليست من يتعب أكثر…

القضية: أي ترتيب يمنح الطفل حياة مستقرة وواضحة؟

لا، اللوم نابع من منطق.

رغم أهمية الأب الكبيرة للطفل، لكنها لا تقاس أبدا ولا تقارن بوجود الأم.

الأب لا يستطيع حتى لو أراد أن يكون كل شيء لأطفاله، لكن الأم تستطيع.

بالتالي خروجه وزواجه من أخرى أكثر شيء طبيعي يعمله بعد فشل زواجه، لإن إما أن يأخذ أطفاله عند زوجته الجديدة وبالتالي يحاول أن يخلق لهم عائلة أخرى تعوض قليلا من فقد العائلة الأولى، أو أن يذهب الأطفال للأم ويعيشوا أغلب حياتهم معها.. المهم بالأخير أن يجد الطفل ملجأ وبيت وعائلة.

مشكلتنا هي كيف يعيش الأطفال بعد الإنفصال وليس كيف يعيش الأب أو الأم وهل أكملوا حياتهم أم لا! هذه نظرة أنانية من كلا الجانبين، بعد خلفة الأطفال يكون دائما السؤال الأول والمهم، هو أين يعيش الأطفال وكيف؟ وبالتالي مصلحتهم دائماً فوق كل شيء.

الفكرة المطروحة تختزل دور الأب إلى مجرد “عنصر ثانوي” بينما الواقع – والشرع والقانون والتجربة البشرية – تقول عكس ذلك تمامًا.

الأم نبع حنان بلا شك، لكن الرجل ليس دوره تجميليًا أو ثانويًا داخل الأسرة، بل هو المسؤول الأول عن:

النفقة المادية الكاملة

تأمين الاستقرار والأمان

توجيه الأبناء وبناء شخصيتهم

رعاية الأسرة وحمايتها

القدرة على فرض النظام والحدود التربوية

هذه ليست “إضافات”، بل عصب الحياة اليومية للأطفال.

لذلك القول بأن “الأم تستطيع أن تكون كل شيء والأب لا يستطيع” غير دقيق مطلقًا؛ لأن وظائف الأم والأب ليست نسخًا متطابقة ليقارن أحدهما بالآخر، بل أدوار متكاملة، وكل واحد يحمل نوعًا من العبء لا يستطيع الآخر حمله وحده.

والأهم:

مسؤولية الأب لا تنتهي بالانفصال، ولا تصبح “اختيارية”، بل تبقى مستمرة، مالية وتربوية ونفسية.

فكرة أن زواج الأب هو “الشيء الطبيعي بعد الفشل” ليست المشكلة…

المشكلة هي اعتبار أن الأطفال يمكن تعويضهم فقط عبر وجود “أم” أو “زوجة جديدة”.

الطفل يحتاج الاثنين:

حنان الأم + ثبات الأب

وغياب أحدهما يترك فجوة لا يملؤها الطرف الآخر مهما حاول.

لهذا الاعتراض ليس عاطفيًا…

بل منطقي جدًا:

إذا كانت الأم تمنح الحنان، فالأب يمنح الأمان.

وغياب الأمان أخطر بكثير من نقص الحنان.