15

المرأة فتنة

من مشاكل المرأة أيضا أنها دائمًا تُقدَّم على أنها الفتنة، والتهديد والخطر الدائم على الرجل، ذلك أنها الامتحان الذي يهدد أخلاق الرجال، كل خطاب ديني أو اجتماعي وتاريخي تقريبا يحملها مسؤولية إغواء الرجل، وكأنها المذنبة مسبقًا لمجرد أنها أنثى، يُقال لها: لا تضحكي كثيرًا، لا تتزيني، لا تختلطي، لا تُظهري أنوثتك. كل شيء فيها يُعتبر فتنة يجب إخفاؤها أو السيطرة عليها.

لكن الغريب أن لا أحد يتكلم عن فتنة الرجال لا أحد يتحدث مع أن النساء أيضًا يفتتنّ بالرجال لمظهرهم، حضورهم، سلطتهم، طريقتهم في الكلام، و نظراته التي قد تُربك امرأة أو توقظ فيها رغبة ورغم دعوة الرجال الصريحة - في الكثير من الأحيان- لاستمالة المرأة واستثارتها وجذبها من قبل الرجال، مع ذلك لا أحد يقول بأن الرجل يفتن، في حين يجتهد كل المجتمع في تأويل التصرفات وحركات النساء الواعية واللاواعية على أنها فتنة، وكأن المرأة وجودت لتكون مصدر للإغراء والخطر الأخلاقي على المجتمع.

عادة ما تربط فتنة المرأة بجسمها وصوتها، المفارقة اليوم، شريحة كبيرة من الرجال إتجهوا نحو المنافسة على الجمال الجسدي والإغراء الظاهر ، ليس فيما هو معقول مثل جمال العضلات وغيرها، بل فيما هو غير أخلاقي صراحة مثل اللباس الواضع والضيق على المناطق الحساسة، والروائح الجنسية المثيرة، بل وحتى الإيحاءات الجنسية الصريحة كتلك التي أصبحنا نراها في السوشيال ميديا -في محتوى الطبخ مثلا- ومع ذلك لا يُتهم الرجال بأي فتنة، بل يعتبرونها تحضر و كياتة وقوة.

وبينما يتم محاكمة جسد المرأة و رغباتها الجمالية والجسدية وحريتها في اللباس والحركة والسلوك بداعي أنها فتنة يجب سترها، يتعامل المجتمع مع الرجل بشكل عكسي، حيث يتم تبرير الخلاعة بالجمال و الرجولة، ولفت الإنتباه بالكاريزما، و عشوائية السلوك بالتلقائية، وغيرها( لا أعمم، لكن توجد حالات كثيرة تستغل هذا الأمر لتحقق مأرب لا أخلاقية-

علااااش

هل لأن المجتمع يخاف من فكرة أن المرأة يمكن أن تشتهي؟ أم لأن الاعتراف بفتنة الرجل يعني الاعتراف بأن السلطة الجنسية ليست حكرًا على الذكور؟طبعا من غيير شك هذا التناقض يفضح حقيقة أن المجتمع لا يريد المساواة حتى في الرغبة، فهو يمنح الرجل حرية النظر والإعجاب والحب والخيانة، بينما يجرّم على المرأة حتى الاعتراف بأنها تشعر.


القول إنّ المرأة “فتنة” لا يعني اتهامها أو تحميلها ذنبًا سابقًا، بل هو توصيف لطبيعة التأثير المتبادل بين الرجل والمرأة، فكلٌّ منهما مصدر جذبٍ للآخر، لكن بطريقته الخاصة. فالمرأة بطبيعتها تميل إلى الاكتفاء، تبحث عن الأمان والاستقرار، فإذا أحبّت أخلصت، وإذا وجدت رجلًا يحتويها لم تبصر غيره. أمّا الرجل فغريزته البصرية تجعله أكثر تعرّضًا للفتنة، لأن نظره هو أول منفذٍ لرغبته، ولهذا قال الله تعالى:

﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ ثم أتبعها بقوله: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾، فبدأ بالرجال لأنهم أسرع تأثرًا بالنظر، وجعل الأمر للنساء أيضًا لأن الفتنة متبادلة، لكنها تختلف في طبيعتها وموضعها وأثرها.

فالإسلام لم يُفرّق في المسؤولية، بل خاطب الطرفين معًا، لكنه قدّم الرجل لأن الفتنة تبدأ من نظره، بينما جعل الحياء زينة المرأة لأنه حصنها الفطري الذي يحميها من أن تُختزل في جسدها.

إن الحياء ليس قيدًا على المرأة، بل هو تاج كرامتها وسلاحها الذي تحفظ به نفسها ومكانتها. أما حين تُغري الأنظار وتعرض مفاتنها باسم الحرية، فإنها لا تمارس حرية حقيقية، بل تقع في فخّ الاستهلاك، وتُسلب منها قيمتها الإنسانية.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾، وقال أيضًا: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾.

فالفطرة جعلت في المرأة حياءً يصون جمالها، وجعلت في الرجل غيرةً تحفظ المجتمع من الانحراف. ولهذا كان كشف العورة عند الرجل إساءة للمجتمع، كما أن التبرّج عند المرأة انحراف عن طبيعتها التي فطرها الله عليها.

المجتمع لا يخاف من أن تشتهي المرأة، بل يخاف من أن تتحوّل الرغبة إلى سلعة، وأن تفقد المرأة حياءها ظنًّا أن ذلك تحرّر. فالحرية ليست في كشف الجسد، بل في امتلاك الوعي بمعناه. كما أن الرجل حين يفرّط في ضبط بصره وسلوكه لا يُسمّى حرًّا بل متهوّرًا.

الخلل الحقيقي ليس في وجود الرغبة، بل في فقدان التوازن بين الفطرة والوعي. فالبعض اليوم يريد مساواة في الرغبة بدل توازن في الفطرة، مع أن الفطرة تقوم على التكامل لا التشابه.

فالرجل والمرأة خُلقا ليكمّل أحدهما الآخر، لا ليكونا نسختين متطابقتين. وحين يغضّ الرجل بصره وتحفظ المرأة حياءها، لا يفعلان ذلك بدافع القمع، بل حفاظًا على المعنى الإنساني للرغبة، لتبقى العلاقة بينهما دائرة مودةٍ ورحمة، لا افتتانٍ وشهوةٍ عابرة.

وهكذا تستقيم الفطرة، ويظلّ الحياء زينة المرأة، والعفّة شرف الرجل، فيبقى المجتمع متماسكًا تسوده المودّة والرحمة كما أراد الله.