15

لماذا يوصف ذكاء أهل الريف بـلؤم فلاحين؟

حبيبة هي بنت ريفية تصور ڤيديوهات طبخ بعفوية في مكان بسيط ذو طابع ريفي ولديها لازمة كلمة "بقى" تستخدمها كثيرًا في حديثها، ويبدو أن ذلك كان كافيًا عند بعض الناس ليقوموا بالتنمر عليها، سواء لكونها فتاة ريفية أو بسبب المكان والديكور أو تكرارها لكلمة "بقى"، فذلك عرضها لحملة تنمر شرسة جعلها على ما يبدو لا ترد أو تغلق التعليقات على الڤيديوهات بعد سيل من الإساءات، واستمرت في العمل والإبداع في صمت، بعدها ظهر منشور كتبته فتاة عن كيف أن الناس ظلوا يسخروا من حبيبة ولم ترد عليهم بينما هي بلؤم وكهن الفلاحين كانت تعمل بالخفاء وتعاقدت للعمل مع مطعم كبير!

طبعًا هذا الكلام يحمل قدرًا كبيرًا من الحقد والتنمر وأيضًا العنصرية ضد أهل الريف والفلاحين، فما العيب في أن ينشأ الشخص في بيئة ريفية؟! ولا تظنوا أن الموضوع خاص بحبيبة فقط فحتى الأطباء ومدرسي الجامعة أو أي شخص ناجح وذكي من أصل ريفي يتم في الغالب التنمر عليه وإطلاق عليه لقب "فلاح" حتى ولو كان يحمل الدكتوراة! أعتقد أنه لو كان من يقدم أو تقدم تلك الوصفات شخصًا آخرًا ليس ريفيًا فربما كان قد تم تشجيعه والإعجاب بإصراره ومواجهته للتنمر ورؤية أنه شخص يعمل في صمت ولا يلتفت لأحد وليس تفسير الأمر على أنه "لؤم فلاحين"!


الحضارة إما مدنية أو رعوية، برأيي إن التطور التاريخي بحسب النظريات التاريخية السائدة اليوم، يفترض أو يفرض علينا، أن المدنية هي تطور للرعوية، بحكم أن الرعوي مقتصر فقط على حدود الأرض (مثل الصحراء للبدوي، أو الأرض الزراعية للريفي، أو حتى الجزيرة للصياد)، بينما المدني يمكنه أن يعلو بالبنيان، وأن ينتقل إلى أي مكان. وبالتالي -حلوة بالتالي ده، حيث أن وكأنما، بديع أنا في الفصحى:)- إن الذكاء هنا، يجري تعريفه بالضرورة على أنه تعاطي مع الأدوات المحيطة، يتطور العقل بتطور التكنولوجيا المسخدمة (وذلك افتراض غير خالي من الصحة تماما)، وعليه، فإن أي ذكاء يتجاوز الطبيعة البدائية لمحيط الفلاح، يفترض أنه بدرجة أقل، وإحنا من عادتنا، نسمي ذكاء الحيوان فطرة، وذكاء المغلوب لؤمة، وذكاء المعتاد حنكة، وأي ذكاء في غير محله التقني (طبيب أو مهندس أو مبرمج، وهي ظواهر ووظائف مدنية بامتياز) يمكن اعتباره وتوصيفه كشكل أدنى.

طبعا ضف على ذلك الطبقية الثقافية التي تميز بين إنسان وآخر اعتمادا على فروق ظرفية بغض النظر عن السمت الحقيقي، كما أن التعميم يغلب عند أغلب الناس، فنميل لتطبيق صورة نمطية على شخص ما، نظرا لحقيقة انتماءه إلى جماعة معروفة بسمت طبقا لتصور قد يكون مغلوط أصلا (يعني إحنا في دماغنا إن أهل الريف فقراء وهو تصور خاطئ تماما)، أو (أن أهل المنوفية بخلاء، وهو تصور مشوه).

أعجبني تحليلك وربطك بين المسألة والبعد التاريخي والطبقي، لكن أعتقد أن المشكلة أعمق من مجرد تقسيم مدني و رعوي، فالتفكير في الذكاء وكأنه مرتبط بالبنية التحتية أو الأدوات المتاحة فقط يجعلنا نقع في فخ حصر القدرات الإنسانية في محيطها المادي، بينما التاريخ نفسه مليء بأمثلة لأشخاص عاشوا في بيئات بسيطة أو فقيرة ومع ذلك قدموا إسهامات غيرت العالم، المسألة في رأيي لا تتعلق بكون الذكاء مدنيا أو رعويا بقدر ما تتعلق بكيفية استثماره وفتح المجال أمامه ليزدهر، وهو ما يفتقده الريف في كثير من الأحيان بسبب التهميش الاجتماعي والاقتصادي وليس بدائية المحيط، لذلك أرى أن وصم ذكاء أهل الريف بـ(اللؤم) ليس انعكاسا لحقيقة تاريخية أو طبيعية، بل مجرد تبرير ثقافي للتمييز والطبقية التي تشرعن السخرية من جماعة بعينها، برأيك، ما الحل لهذا الوصم و غيره من أجزاء آلية الحط من الآخر التي تمارسها المجتمعات لتثبيت هرم اجتماعي غير عادل؟

Waled_Ahmed أضف ردا
، لكن أعتقد أن المشكلة أعمق من مجرد تقسيم مدني و رعوي، فالتفكير في الذكاء وكأنه مرتبط بالبنية التحتية أو الأدوات المتاحة فقط يجعلنا نقع في فخ حصر القدرات الإنسانية في محيطها المادي، بينما التاريخ نفسه مليء بأمثلة لأشخاص عاشوا في بيئات بسيطة أو فقيرة ومع ذلك قدموا إسهامات غيرت العالم

للسبب ده قلت إنها فرضيات، وأشرت إلى كون العديد من التصورات مفروضة علينا، كما أن الدراسة الاجتماعية لا تأبه بالأشخاص أو الأفراد، بل بالمجتمع والجماعات، وده بيخلينا نرجع للرد على النصف الآخر من كلامك (ورأي حضرتك يحترم وعلى راسي طبعا)

المسألة في رأيي لا تتعلق بكون الذكاء مدنيا أو رعويا بقدر ما تتعلق بكيفية استثماره وفتح المجال أمامه ليزدهر، وهو ما يفتقده الريف في كثير من الأحيان بسبب التهميش الاجتماعي والاقتصادي وليس بدائية المحيط، لذلك أرى أن وصم ذكاء أهل الريف بـ(اللؤم) ليس انعكاسا لحقيقة تاريخية أو طبيعية، بل مجرد تبرير ثقافي للتمييز والطبقية التي تشرعن السخرية من جماعة بعينها، برأيك، ما الحل لهذا الوصم و غيره من أجزاء آلية الحط من الآخر التي تمارسها المجتمعات لتثبيت هرم اجتماعي غير عادل؟

وصف حضرتك في ختام كلامك للمسألة بأنها نوع من (الأجزاء الآلية) على حد تعبيرك قد يفصح عن حقيقة أننا نلتقي عند نفس النقطة عينها، ونرجع إليها، لأن هذه الآلية أصلا من ضمن تفسيرات حدوثها هو (التقانة المحيطة بالمدني)، أما عن الطبقية فلها أسباب أخرى، مثلا تجد الذين يسكنون الريف، وكذلك الذين يسكنون الصحراء، والذين يسكنون العشوائيات يعنصرون بدورهم على أهم المدن بوصفهم خانيعين أو ناقصي الرجولة أو رجال أضعف من اللازم (وعيال نايتي أو سوسو أو أيا يكن). في هذا نوع من الإقرار، من الريفي بالطبيعة القاسية التي يعيش فيها، وأثرها عليه وميله إلى تفضيل القوة، على العقل (بالمناسبة عادل إمام له مشهد شهير مع القلة يشرح فيها بذكاء حقيقي العقلية الرعوية، التي لديها بالطبع كل ما لدى المدني، وعندهم نفس الذكاء أو أذكى، كل ما في الأمر، أن حياتهم قد تكون أبسط من أي تعقيد يحتاج إلى تفكير من نوع الجهد العالي التيار).

والمسألة أعقد طبعا من نثر هذه البذور كما تفضلت حضرتك

طبعا تقبل رأيي أستاذي، وممكن جدا أكون مخطئ فيه

وهل لأهل الريف يد في تهميشهم؟ يعني ذلك أنهم يعانوا الأمرين، التهميش وما يترتب عليه من تأخر بكثير من الخدمات، و أيضًا التنمر عليهم بسبب ذلك!

مجهول
  • حذف بواسطة المستخدم

لكن في الحقيقة أن بداية الحضارة التي نعرفها كان بسبب الزراعة! وذلك عندما قام الإنسان البدائي بترك العيش على صيد الحيوانات وجمع الثمار والقيام بزراعة الأرض مما تسبب في استقراره ونشأة الحضارات.

آفة حارتنا النسيان