الحياة ليست درس رياضيات، وواحد زائد واحد ليسا بالضرورة، وليست في كل الأوقات اثنين

يقول الكاتب الفلسطيني إبراهيم جابر إبراهيم :

لا أحب هؤلاء السُذَّج الذين يتخرجون بمعدلات عالية، وتخصصات علمية مهمة لكنهم لا يسمعون الموسيقى، ولا يعرفون شاعراً واحداً، ولَم يحضروا فيلم سينما، أو يحاولوا كتابة قصيدة، أو أن يخلطوا علبة ألوان ليرسموا لوحة! 

الحياة ليست درس رياضيات، وواحد زائد واحد ليسا بالضرورة، وليست في كل الأوقات اثنين! 

أنا لا أفهم الناس الذين بلا طقوس شخصية، بلا عادات، بلا تفاصيل، لا يهتمون بألوان الأزرار، ولا خشب المقاعد، ويرضون بأي سائل ساخن أحمر فلا يتوقفون عند نوع الشاي! 

الحياة في التفاصيل، في الأحاسيس، في الذائقة، في معنى أن تهز رأسك حزناً أو فرحاً أو طرباً لمقطع من أغنية قديمة، أو تنفعل برائحة الياسمين تهب من شارع عتيق على الدوار الأول!

ما رأيكم ؟


يبدو أن السيّد إبراهيم جابر إبراهيم لم يقطع شوط أطول في محاولة فهم الإنسان على حقيقته، فهم الإنسان فعلاً عبر فهمه للحياة، جابر مثلاً هنا يعتقد أنّ الجمال الوحيد يكمن ضمن الألوان والأمور الفنية الإنسانية، متجاهلاً كلّ التجاهل نشوة العلماء مثلاً وافتتانهم الحقيقي بجمال معادلة رياضية ما أو حقيقة علمية معجزة الجمال لهم، الجمال ليس حكراً على الفن ولا على الطبيعة، الجمال في كل زاوية تقريباً بأمرين: بتعقيده الشديد وبالإعجاز الذي يبان على أنّهُ عادي - مثلاً تشارلز داروين صرّح أكثر من مرّة بأحاديث عامة وعلى أوراق مذكّرات أبحاثه بأنّهُ يشعر بنشوة حقيقية جرّاء ما يراه من جمال البحث الذي يقوم به، أجزاء البحث الذي نراها مملة مجرّدة ولا نقوى إلى قراءة معناها، هو يراها بسنوات طويلة وطويلة جداً أمراً جميلاً يجدد روحه عن من جديد، يبدو أنّنا نحتاج نظرة أوسع لقيمة الجمال ونظرة أوسع لمعنى الحياة، كيف نستدلّ على ذلك؟

لإنّ السيد جابر لا يمتعض نهائياً لأشخاص يغوصون في الموسيقى وأي نوع فني آخر بدون أي شيء علمي أو رياضياتي، لا يقول لهم الحياة ليست فن فقط، يراهم طبيعيين، لإنّه يعتقد أنّ الجمال محصور بهذا الحيز فقط.

اتفق معك اخي ضياء وفي اعتقادي ان العلم والفن والادب والاخلاق جميعهم يكملون بعضهم ويتمثل بهم جمال الفكر وتطور حضارة بني الانسان.

اتفق معك اخي ضياء وفي اعتقادي ان العلم والفن والادب والاخلاق جميعهم يكملون بعضهم ويتمثل بهم جمال الفكر وتطور حضارة بني الانسان.

نعم فعلاً، أنا أومن بأنّ كل ما يمكننا أن نراه ونسمعه ونشعر به لهُ دور أساسي في الحياة وفوق كل ذلك بكل تأكيد يصف جمالاً ويمكن أن يمدّ أي شخص بنشوة كبيرة لمجرّد الدراسة بالحالات المجرّدة أو التأمّل بالحالات الروحية البصرية وغيرها، شيء عجيب هذا العالم وجميل جداً، إنكار جمال أجزاء منه يخرّب معادلته الكاملة التي أشبه بلوحة.

أعجبني للغاية تعليقك، و أتفق تماما معه.

الجمال في عين الرائي، و كل يجد الجمال أين يريد. أنا مثلا، قمة النشوة و الجمال المثالي بالنسبة لي هو كوب شاي، موسيقى في أذني بينما أحل معادلات الرياضيات. قد يبدو من المستنكر للبعض، كما أشرت، أن يكون هنالك جمال في الرياضيات لكن أنا أعتبر ذلك و الكثيرون غيري قمة الجمال. و أحب أكثر عندما لا أعرف الحل، يمكن أن أستغرق أسبوعا كاملا و أنا أحاول معه، و أجد لذة غير متناهية في تلك المحاولات. أجد جمالا كبيرا في منطق الرياضيات، في رموز الرياضيات. خاصة طرق البرهنة: البرهان بالخلف، المثال المضاد، absurd، لكن أجملها على الإطلاق بالنسبة لي مبدأ recurrenc ، خاصة كما شرحه لنا أستاذنا: لا أعرف اسم تلك اللعبة، لكن مبدؤها هو أن ترتب عدة أوراق واحدة خلف الأخرى، ثم تسقط الأولى فتسقط كل التي بعدها، لا أعرف كيف أشرح الأمر لكن أراهن أنك عرفت عن ماذا أتحدث. على أي، نفس المبدأ نستعمله في الرياضيات، في المتتاليات غالبا، نبرهن أن الأولى تسقط الثانية، ثم أن كل واحدة تسقط التي بعدها و بالتالي تنطبق الخاصية على الجميع. أراهن أنك تعرف هذا. الكثيرون قرؤوا هذا المبدأ و لم يهتموا، لكن أنا أرى به جمالا غير معقول، إنه يدهشني كل مرة.

كما يستنكر جابر من لا يتذوقون الشعر و الموسيقى و التفاصيل، أقول له، أو ما رأيت كمية التفاصيل الجميلة و الدقيقة التي ينهض عليها كل الكون؟ إن في العلم جمالا غير متناهي، ليس فقط الرياضيات، بل العلوم الأخرى أيضا: الأحياء مثلا، ألا يدهشه رؤية كل ذلك الجمال عندما يسمع عن كيفية تناقل المعلومة في الأعصاب مثلا، كيف يرسل العقل الأمر ليدي لتكتب هذه الكلمات، عن عملية التنفس، كيف يلتئم الجرح، علم الوراثة ... إلخ، كل تلك الدقة المتناهية، تلك الماكينة الضخمة داخلنا حيث كل يؤدي وظيفته بلا انقطاع. و في الفيزياء، ألا تدهشه الجاذبية؟ و الذرة، تلك المتناهية في الصغر لحد غير معقول، كيف يتشكل الكل من ذرات، الأمر مدهش حقا، و جميل للغاية. و الكون في الماكروفيزياء و في الفلك، ألا يرى الجمال اللامتناهي عندما يسمع كيف أن ما نراه في الليل ليس نجمة بل ضوء نجمة كانت قبل ملايين السنين، و اليوم فقط وصلنا ضوؤها.

لماذا يصف المتخرجين بمعدلات عالية بالسذج؟؟؟ يا للسذاجة‼ لا يا سيدي، إنهم اختاروا ما يحبونه، ما يروا فيه الجمال، اختاروا الجميل بالنسبة لهم. إن في العلم جمالا غير متناهي، و هم استطاعوا رؤية ذلك الجمال، أحبوه و انغمسوا فيه فنجحوا بمعدلات عالية، لأنهم اجتهدوا فيما يحبون. لما يكون ذلك سذاجة؟ من يحبون الأدب و الشعر و الفنون، فلهم تخصصهم، و هم أيضا إذا أحبوا ذلك و اجتهدوا فيه يتخرجون بمعدلا عالية، لما لا نقول نحن عنهم سذجا فقط لأنهم لم يتذوقوا جمال الرياضيات و العلوم؟

لكن، لحظة، هذا لا يعني أنني أنا شخصيا، لا أحب الموسيقى و لا أرى ذلك الجمال الرائع و الدفين في نغماتها، و لا أقف مدهوشة أمام لمسات شوبان على البيانو، و لعب فيفالدي بالكمان، و عزف محمد عبد الوهاب على العود، و أبكي على صوت الناي. إني أٍرى الجمال في ذلك و أستمتع به. كما أكتب الشعر و أقرأ الشعر وأتلذذه، من المتنبي إلى القباني، من البحتري إلى درويش. و هذا لا يعني أني لا أقرأ الأدب، من روسي و مصري و مغربي و أمريكي و ياباني....، هذا لا يعني أني لا أقف مسحورة بجمال الكلمة، و لا أندهش كيف أن 28 حرفا تشكل عددا لا متناهي من القصائد. لا أنكر أن تناسق القوافي يسحرني: ثلج يتساقط في تموز، و مراكب حبلى بالفيروز. قمة الجمال بالبيتين. و لا يعني أني لا أرى الجمال في الرسم، و لا تدهشني اللوحات، أني لم أتأمل ليلة النجوم، و لم أرقص بين جنحات الطبيعة في لوحات كلود مونييه، و لم أحاول فهم رسومات بيكاسو، و لا يعني أني لم أجرب يوما الرسم، و لم أتلطخ بالألوان. لا، إني أرى الجمال في كل هذا. تماما كما أرى الجمال في القطة النائمة على عتبة الدار، و العصافير التي تزقزق كل صباح قرب نافذتي، في ضحكة الطفل و تجاعيد العجوز، وفي زهر اللوز ... . و أني لا أستمتع بالأعمال اليدوية كما بالتصميم على الحاسوب. أبدا، هذا لا يعني، أني لا أستطيع رؤية الجمال في كل هذا، كما أراه في العلم.

لكني أبدا، لن أتهم من رأوا جمال العلم فقط بالسذج، و لا من رأوا جمال الفن و الأدب فقط بالسذج. كما لن أتهم جدتي التي لا تعرف لا علما، لا فنا و لا أدبا، و تستمتع بالطبخ و الاهتمام بحديقتها بأنها ساذجة. كل يرى الجمال أين يريد، المهم أن نرى هذا الجمال، و أن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا كما قال درويش.

آسفة لأني أطلت، لكن ذلك استفزني حقا.

و أحب أكثر عندما لا أعرف الحل، يمكن أن أستغرق أسبوعا كاملا و أنا أحاول معه، و أجد لذة غير متناهية في تلك المحاولات. أجد جمالا كبيرا في منطق الرياضيات

لا أستطيع إنكار الأمر يا فردوس، أنا أمقت الرياضيات ولا أفهم ما الذي تعيشينه ولكن بما أنّكِ تعيشينه فأنا أومن بأنّ هذا الشعور موجود وخاصّة أنّ الأمر تاريخياً مذكور على لسان الكثير من العلماء والباحثين وغيرهم

لكن، لحظة، هذا لا يعني أنني أنا شخصيا، لا أحب الموسيقى

مُعظم من يجدون نشوة في الرياضيات والأمور المجرّدة لديهم ميل للفنون والأدب والموسيقى، على أنّ العكس غير صحيح بمعظم الأحيان بحسب مراقبتي للأمر، معظم من يعشقون الفنون لديهم مقت للأمور المجرّدة وغيرها.