مستقبل الثقافة في ظل الذكاء الاصطناعي ؟!
أطلق العرب قديماً كلمة "الثقافة" و أرادوا بها الحذق و المهارة و كذلك كل مشتقاتها تدور في غالبها حول ذلك المعنى و معانٍ أخرى كالتقويم و الإصلاح و سرعة التعلم وذلك بحسب المعاجم العربية ، ثم أخذت الكلمة تطوراً في مطلع القرن العشرين حتى استقرت اصطلاحاً على كل ما يتعلق بالمعرفة و العلم و التفكير بناءً على القاعدة المعرفية .
و نظراً لقلة التعليم في الوطن العربي مطلع القرن العشرين نشأت طبقة أطلق عليها الطبقة المثقفة ، و كان مما استقر في الوجدان العربي أن الطبقة المثقفة و المتعلمة هي المنوط بها النهوض و حمل مشاعل النور لإضاءة الطريق للأمة نحو التقدم و الرقي و الإبداع ، وظل الحال كذلك مدة من الزمن فالطبقة المثقفة تسعى جاهدة نحو تحقيق آمال الأمة المعلقة عليها و الأمة تتابع و تترقب نتائج الإبداع المنتظر و التقدم المنشود ، ثم بدأت الأيام تتوالى و تسارعت خطى البشرية نحو الميكنة بأشكالها المتعددة و حلت الآلة محل البشر في مجالات عدة .
ثم ها هي البشرية تحط رحلها في آخرة المحطات التي وصلنا إليها و بزغ فيها نجم "الذكاء الاصطناعي" مؤذناً ببداية عصر جديد يتجاوز حدود استبدال المجهود البشري بتلك الآلات، فبدأ يستبدل العقل البشري بعقل آخر صناعي يتعلم و يفكر و يبحث و يحلل ، و بدأ مع هذا العصر الجديد سؤال ملحٌ حول الثقافة و المثقفين و مصيرهم !!
ما هو دافع الأجيال القادمة لكي تتسابق في مضمار الثقافة و العلم إذا كان الذكاء الاصطناعي قادر على حل المشكلات و إيجاد البدائل و الفرص ؟!
يمكن تعريف الثقافة بأنها عبارة عن التراكمات السلوكية لمجموعات بشرية. وتكون هذه التراكمات السلوكية ناجمة عن مجموعة من المعارف والعلوم المكتسبة والقيم والعادات والتقاليد. فإن كان هدف الذكاء الصناعي تسريع وتيرة تقدم البشرية فإن الثقافة تهدف إلى الحفاظ على طابع الشعوب وعلى إرثهم وتراثهم وهويتهم. ومن هنا لا أعلم لما تم تصوير فكرة الذكاء الصناعي على أنه إقصائي حيث أنه سيزيل المعنى الوجودي للثقافة. فهل يمكن أن نعيش بدون ثقافة ولا هوية؟ هل وظيفة الذكاء الصناعي أن يعطينا هويات " صناعية جديدة" تزيل جذورنا البشرية؟ الهدف من الذكاء الصناعي تسهيل ميادين الحياة وتوفير الرفاهية للبشر إلا أنها لا يمكن أن تكون أبدا بديلا عن الثقافة. فالثقافة هي التي تميزنا عن باقي الكائنات. والأمر الآخر ما هو الرابط بين الثقافة وإيجاد البدائل والفرص؟ الثقافة تغير تعاطينا مع البدائل والفرص ولكنها لا تخلق الفرص بذاتها. فثقافتي المنفتحة كامرأة هي التي تسمح لي بالعمل خارجا في الوقت الذي ترفض فيه باقي المجتمعات هذه الفكرة.
الثقافة من حيث هي تراكم معرفي للأمة فهي عملية اكتساب معرفي للأفراد ، و لما كان الأفراد لديهم القدرة على توظيف تلك المعرفة في تقدم و رقي المجتمع و ايجاد فرص جديد و بدائل متاحة عن قبل عملية التوظيف تلك ، ثم أتى "الذكاء الاصطناعي" بقدرته الهائلة على إيجاد نوع ماً من التراكم المعرفي بغض النظر عن كونه إبداعي أم لا قلص ذلك من فرص الثقافة كعملية اكتساب معرفي للأفراد بحيث أصبح يوجد من ينوب عنهم بشكل كبير في هذا الموضوع
التعليقات