الحقيقة المطلقة

إن ما يواجهه الكثيرون -وأنا منهم- من اكتئاب وحزن عميق عند موت أحدهم، ينبع في كثير من الأحيان من إنكار هذه الحقيقة المطلقة لوقت طويل، ومن ثم الصدام معها ومجابهتها وجهاً لوجه، فتقع لحظة الإدراك، وهي أقسى ما يواجهه فكر الإنسان، إدراك الذات.. إدراك الحقائق.. إدراك المعاناة الجوانية.. ويتأتى عنها بالضرورة الحزن العميق والألم، وتتعدد الطرق التي قد يلجأ لها الشخص لتخفيف ألمه، فالكثيرين يقعون ضحية الإنكار، و الإنكار denial هو رد فعل يقوم به العقل اللاواعي ليحمي الشخص من الصدمة، يتحدث الكاتب الأمريكي ارنست بيكر في كتابه the denial of death أو إنكار الموت عن هذا الموضوع حيث يقول: "أن تكون قد خرجت وانبثقت من لا شيء، ويكون بعدها لك اسم محدد، واعياً بذاتك وبمشاعرك الداخلية العميقة، وتشعر بتوق داخلي عميق نحو الحياة والتعبير عن الذات – ومع كل هذا يتعيّن أن تموت!" حيث يحاول أن يجد إجابة لمعضلة الإنسان الأزلية وهي الموت، ويضع الخوف من خسارة تجربة الوجود ك دافع لإنكار حقيقة الموت.

إن إدراك حقيقة الموت والتصالح معها كحقيقة مطلقة سنصل لها جميعًا يمكن أن يمنحنا القدرة على تجاوز الخسارات أسرع من غيرنا وبطريقة صحية أكثر، ويجنبنا الوقوع في فخ الاضطرابات النفسية الناجمة عن التعامل الخاطئ مع هذه الحقيقة. 

أود أن أعرف كيف تتعاملون مع حقيقة الموت؟ وما الدافع برأيكم حول إنكار أو تجاهل حقيقة الموت؟


صدقتِ، الموت هي الحقيقة المطلقة التي يجمع عليها البشر باختلاف خلفياتهم ومشاربهم، هي فناء الوعي قبل الجسد والمحطة التي لا رجعة منها، بيْد أني اختلف معك في قولك أن التصالح مع الموت هي المبلغ الذي سنصل إليه جميعًا، فظاهرة إنكار الموت تبدو لنا جليًّا ـ باختلاف تجليات هذا الإنكار ـ لو احطنا بتاريخ التناطح بين الوجود الانساني والموت،إذ إن الانسان منذ الأزل سعى إلى إيجاد "إكسير الحياة" الذي يهب الخلود الأبدي للبشر، وحتى في النصوص الدينية نجد ذلك، مثلاً ، حينما قال الشيطان "لوسيفر ـ ابليس" لآدم "هل أدلًك على شجرة الخلد" فصدّقه الأخير، ولعلّ هذا الطمع بالخلود من تجليات انكار الموت،ولو صرفنا النظر إلى عصرنا الراهن لكي لا أطيل، نجد أنه بعد التقدم الهائل للطب الحديث في مداواة الأمراض المستعصية والكشف عنها والجراحة العضوية، لم يستبعد بعض المختصين اعتبار الشيخوخة مرضًا يمكن علاجه كغيره من الأمراض، كما نرى تهافت بعض الأثرياء إلى ابقاء أجسادهم في حالة التجمد ريثما يجد الطب يومًا سبيلاً لإعادتهم إلى الحياة.

أعتقد أنّ الموت برغم كونه غُصّة الوجود الإنساني إنْ صحّ هذا التوصيف هو ربّما ما يجعلنا نعي قيمة الحياة، وهو ما يجعل، حسب البعض، للوجود معنى.

تفق معك إلى حد بعيد، فالتطلع الدائم منذ بداية الحضارة لحياة أخرى كما في الحضارة الفرعونية ، أو للتناسخ كما في بعض الديانات، أو للحياة الأبدية ما هي إلى محاولات لتهدئة القلق الوجودي تجاه فكرة الفناء، ولذا فأجد أنه رغم كون بعض الدراسات والباحثين ينصاعون لهذا القلق من الفناء، بمحاولات استدامة الجسد، أو التغلب على الشيخوخة وزيادة متوقع العمر للأفراد، إلا أن كثير منهم متصالح مع فكرة الفناء، ويحاول تهدئة هذا القلق من خلال تخفيف غرور الإنسان ومساواته مع أي كائن آخر فاني، الموضوع كبير ومتشعب، رغم اقتضاب شرحي وطرحي له من زاوية واحد أجدها أساس كل التصورات حول الموت ألا وهي الإنكار وربما يمكننا التشعب أكثر في مساهمات قادمة

مجهول
  • حذف بواسطة المشرف