27

"خُذْ وَقتَــك.. لكنْ لا تأخُذ وقتِي معه"

Noureddine_Hatem

هكذا عبّر رجلٌ مرموقٌ عن حبِّه لأحدهم حين عرّفه مفهوم الوقت والزمان وفلسفتهما في بضع كلمات. فكثيرٌ منّا سمع بل وشارك إخوانه كلمتَيْ "خذ وقتك"، لكن قليلٌ من أدرك أنّه لا توجد ملكيّة فرديّة للوقت، أليس كذلك؟

يوجد نموذجان معرفيّان – لا أظنُّ وجود ثالثٍ لهُما – يُعبِّران عن تفاعلنا مع الزمان والمكان، هما النموذج الديناميكيّ في التفكير و (ابنُ عمّهِ) النموذج الاستاتيكيُّ. ويمتلك كل مرءٍ منّا في مخياله الشخصيِّ نصيباً من كل نموذج، بحيث تخرج سلوكاته وانفعالاته وِفق لوازمِ النموذج المتغلّب على تفكيره وعمليّاته العقليّة. فلا يوجد من يُفَعّل النموذج الاستاتيكيّ على طول الخط، ولا من يهيم مع الديناميكيّ جميع أيَّامه، إلّا في حالات نادرةٍ عجيبة.

ولنبدأ باستعراض النموذج الديناميكيّ، لنجد الناظر من خلاله يرى الواقع عمليّاتٍ متحرّكةً متغيِّرةً، لا مجرد أشياءٍ ثابتةٍ دائمةٍ (كما يراها الناظر من الاستاتيكيّ). فتفعيل الديناميكيّة في التفكير يُساعد الإنسان على رؤية الحركة في الثبات، وعلى الاحتفاء بالتفاصيل وتقدير أدقِّها؛ ومن منّا لا يحتاج هذا في يومه وليلته؟ كذلك الإنسان الديناميكيّ يؤمِنُ أنّ التوقّف عن الحركة لا يساوي إلّا تراجُعاً، على عكس الاستاتيكيّ الذي يرى الثبات في انعدام الحركة.

فأكبرُ عدوٍّ للطموح والنجاح اليومَ هو التفكير الأرسطيُّ الاستاتيكيُّ، فهو يؤدي لتشيّءِ الواقع الحيويّ بطريقة بشعة، فمثلاً:

نرى عملنا على أنّه مكانٌ محدد، نذهب إليه في مواعيد محددة، لنصنع في أثنائها مهاماً محددة. ونرى أهلنا وأصدقائنا أُناساً علاقاتنا بهم مقنَّنة نمطيّة، بحيث نراهم في أوقاتٍ بعينها لنشعر بمشاعرٍ ما.

فتراكم النظر عبر هذا النمط التفكيريّ يؤدي لرؤية العالم (الكبير الحيويّ) كثباتٍ يحوي أشياء مكرورةٍ لا جديد فيها؛ مما يتسبب -تلقائيّاً- في تقمُّصنا هذا الثبات الذي رأينا، في مُحاولة منّا لمُشاكلة عالمنا البرانيّ. لكن الأخطر من هذا أنّ المستويات المتطرفة من هذا النمط تتسبَّبُ في تكوين نمطٍ اكتئابيٍّ شخصيّ، يُفْقِدُنا المتعة والتواصل مع العالم الكبير.

وعلى الجانب الآخر ( النظرة الديناميكيّة)، يلاحِظ الناظر هنا أثر التفصيلات الصغيرة في يومه وحياته، وبالتالي يجد نفسه ينجذب إلى الحياة يوماً بعد يومٍ لينغمس فيها ويتفاعلا معاً. فهو يرى كل شيء حوله يجري وينطلق، ممّا يدفعه دفعاً إلى التحرُّك (على سبيل المواكبة) حتى لا يكون الساكن الوحيد!!

بهذا أكون قد أوجزتُ وبيّنت طرفاً من ماهية هذين النموذجين؛ والآن دوركم لتخبروني عن ماهيّة النموذج صاحب اليد العليا على تفكيركم، ولا تَنسَوْ إثراء معلوماتي إن كنتم تملكون (في رصيدكم المعرفيِّ) نموذجاً ثالثاً، أو رؤية موازية مغايرة لما طرحت، تعبّر عن تفاعُلنا مع الزمكان.

وعودةً إلى الحكمة عنوان المساهمة أقول: لم تعد مُشكِلاتُ بني البشرِ -اليوم- مقصورةً على أفعالهم، بل امتدت إلى عدم تفكُّرِهم فيها؛ فلنهرع إلى ما هو كائنٌ -بالفعل- نُسائله ونحلِّلُه، ونوظِّفه لتحسين معاشنا وملاشاة شيءٍ من الخوفِ، وشيءٍ من كَبَدِ هذه الدار!


التعليق السابق

لنفترض أننا زميلين في العمل (ويا لحظي حينها!)، ورئيسنا صعب الطباع مؤذٍ بالكلام. هنا يوجد أنا وأنتِ نتعرّض لنفس المؤثر السلبيّ، لكن أنا (مثلاً) سأضجر أولّ الأمر ثم سأشيّئه كلباً بمرور الوقت، لأرى كلماته نباحاً على قارعة الطريق لا يخصّني في شيء (استجابة ذاتيّة راديكاليّة خالصة). بينما ستتأثرين بكلماته وربما تقررين مفارقة محل عملنا -وهو ما سيحزنني حينها :)- لأنك ترينه انتقص من كينونتك الذاتيّة. فكلانا غار في ذاتيّته (عالمه الجوانيّ)، لكن المردود على البيئة والسطح (العالم البرانيّ) مختلف تماماً.

أهكذا يراني موظفيني إذاً؟؟ (حيث أنني متهمة بصعوبة الطباع تلك التي لن يعجبها شئ) (هذا ما يقولونه أمامي ولستُ أعلم هل سيرون توجيهاتي نباحاً لا يخصّهم في شئ؟! )😁😁

أعمل في المديرية الحالية منذ 2010 تقريباً.. انتقلت فيها من ضابط لاختصاصي لنائب مدير لقائم بأعمال مدير (حالياً).

خلال هذه الفترة تعاملتُ مع ثمان مجالس مفوضين برئيس وخمسة أعضاء معه.

كان هنالك الرئيس الأروستقراطي، ذاك الذي جاء وفي فمه ملعقة من ذهب ويرانا جميعاً عبيده بمن فينا أعضاء مجلس المفوضين.

وكان هنالك الرئيس المناطقي المنحاز لأبناء مدينته وكان يرى أمثالي طيوراً مهاجرة جاءت تحط في قلب المدينة لتأكل خيرات أبناء المدينة.

وهنالك الرئيس مركزي الرأي ديكتاتوري الطبع بيروقراطي القرارات ذاك الذي يتعامل مع وجودنا وكأننا منفذين لا نعرف معنى كلمة تفكير، هو يفكر، يخطط، يقرر، ونحن بالنهاية ننفذ.

وهنالك الرئيس المبدع ذاك الذي يفسح المجال لك ويستمع إليك ويمنحك كلّ الصلاحيات اللازمة ويعطيك الثقة لكنه يحاسبك إن أخطأت مرتين.. مرة لأنك لم تستخدم ثقته بشكل صحيح، وأخرى لأنك لم تفكر قبل أن تستخدم تلك الثقة.

والرئيس الذي رمى كلّ الأحمال على الخمسة في المجلس واكتفى لإنهاء ملفات أجندته الخاصة تاركاً المؤسسة تغرق في مزاجية خمسة نفسيات لكلّ نفسية عقلية وأسلوب جديد..

من أصعب الأمور أن تتعامل مع مسئول ذا طبع مزاجي، فما بالك بستة مسئولين كلهم عنك مسئولين لكلّ واحد منهم طبع وطريقة وأسلوب وباب تعامل؟؟

فكيف لو كان ثمان مجالس مختلفة في مجلس رئيس وأعضاء لكلّ واحد منهم أسلوب؟؟

أعتقد يا صديقي أن بقائي لعشرة سنوات كفيل بأن يخبرك وفق نظرية التفاعل الإنساني بأنني شخص غير إنساني أو شخص غير متفاعل 😎، لعدم وجود أية استجابة (إيجابية/سلبية) تجاه أي موقف عدا ما يكون وظيفياً يصبّ بمصلحة العمل.. لكن على الصعيد الشخصي لا آخذ آي تصرف بشكل شخصي..

ربما هي أقرب لما يقوله بعض الزملاء (مكبّر الجمجمة) أي وفق تحليلك (راديكاليّة خالصة).

وعليه أعتقد بأنّ تجاربنا مع الآخرين تمنحنا الفرصة لاكتساب المهارات اللازمة لأخذ ما يلزم ونفث ما يبدو شرّ لا بد منه ولا داعي للانتباه له.

عموماً.. سعيدة بالعمل معك 😋 على افتراض فرضيتك.. رغم أنني لا أنصحك بأن نعمل سوياً.. 🤷‍♀️