ما هو الوطن؟ أهو حقا المكان الذي يوفر لك حياة كريمة؟ و هل الوطنية مجرد شعور زائف لخداع المواطنين الضعيفين؟

في المساهمة السابقة عن هجرة الأدمغة قال أحد المساهمين الكلام التالي، و أريد معرفة آراء مختلفة عن الأمر.

"الوطن" لم يُنجب أحداً ولا يمكن أن ينجب أحداً؛ لأنه مجرد مفهوم في عقولنا. من أنجبنا هم الأم والأب وهؤلاء هم من علينا الإمتنان لهم. من دعمنا وساندنا وصرف علينا هما الأم والأب. الوطن لم يفعل شيئاً؛ لأنه غير موجود إلا في عقولنا.
مشاعر الوطنية هي مجرد عاطفة، ليس لها معنى منطقي، وتُستخدم للابتزاز العاطفي للمواطنين المهمشين والمظلومين، فكلما انتقد المواطن المطحون من سوء أحواله يتم ابتزازه عاطفياً بأنه لا يحب الوطن، وأيضاً يستخدم هذا الابتزاز العاطفي لإجبار المواطنين على دعم الدولة، من منطلق أن معارضتها يعتبر خيانة.
مثل هذه العواطف لا تخدعني، فأنا لا أعترف بالانتماء لا لجماعة ولا لمجتمع، أنا فرد، أنتمي لمن يشابهني ووطني هو المكان الذي أرتاح فيه.
ولا تعد الهجرة نكران للجميل، بل واقعية وطموح ورغبة من الإنسان أن يكون أفضل نسخة من نفسه.
لا فرق عندي بين مشاعر الوطنية وبين تشجيع نوادي الكرة، كلاهما مشاعر بدائية تعتمد على الاستقطاب واحتياج الانسان الملح للانتماء إلى جماعة.
شخصيا قد قاومت هذا الاحساس طوال عمري، وانتميت فقط إلى نفسي، ولطالما حافظت على فردانيتي وإستقلالي سواء فكريا أو مادياً.

إلى أي مدى تتفق مع هذا الرأي؟ إن نعم أو لا فما حججك؟ ما تعريفك للوطن؟ و هل تعتبر هجرتك للبلد الذي علمك أو لنقل وفر لك فرصة التعليم إلى بلد آخر يستفيد منك نكرانا للجميل؟ هل الوطنية مجرد شعور بدائي؟ و هل التخلف الذي تعيشه بلداننا لا نتحمل فيه ك"شعب" جزءا من المسؤولية؟


الفاضلة الأستاذة /فردوس بغجيج

دومتي متألقة..

الانتماء للوطن لا يمكن أن يكون وهم خيال ،فالوطن هو ذكريات طفولتنا ورماد آبائنا وأجدادنا ، وشوارع تحمل رائحة أيامنا ، وأناس هم مصدر سعادتنا أو شقائنا ، الوطن هو الهواء الذي نتنفسه والماء الذي نشربه ، والفصول التي تعلمنا فيها كيف نعيش ، ويختلف وطن الطفولة عن وطن الشباب ووطن المشيب ، فنحن في طفولتنا لا نعرف وطنا سوي مجتمعنا الصغير الذي يتسع نطاقه بتقدم سنوات عمرنا ،وأتفق معك في ابتزاز مدعيي الوطنية وتجارها واتهامهم لنا بخيانة الوطن عندما يزداد غضبنا وحنقنا عليه ، وقد لخص الإمام علي كرم الله وجهه معني الإنتماء الحقيقي للوطن بعبارته البليغة " الفقر في الوطن اغتراب والستر في الغربة وطن " ، فالإنتماء الحقيقي للأوطان يدعمه وينميه الشعور بالعدالة الإجتماعية وكفالة حق الحياة الكريمة من مسكن آمن ومأكل طيب وملبس يليق ، فقد يكون انتماؤنا لأوطان غربتنا أكبر من وطن نشأتنا، لأن هذه الأوطان حققت لنا هذه الحياة الكريمة والمعادلة التي أصبحت حلما في غالبية الدول العربية ، ولكن رغم جور أوطان نشأتنا علينا لا نستطيع خيانتها بعدم الإنتماء عندما يعتدي عليها ، ويدعم هذا المعني قول رسولنا الكريم محمد صلي الله عليه وسلم لموطن نشأته مكة المكرمة :"وَاَللَّهِ إنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجتُ"وقد أحب الرسول موطن غربته في المدينة وجعلها موطنه الثاني وقال ﷺ :" إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لَهَا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إبْرَاهِيمُ مَكَّةَ"، وهو ما يؤكد تشجيع الهجرة من الأوطان طلبا للرزق تحقيقا لقوله تعالي :"هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ" ، فالوطنية شعور بديهي وليس شعورا بدائيا ، ولم تكن الهجرة طلبا للرزق أو العلم يوما خيانة للوطن .

كلامك كان شاملا و قد أعجبتني وجهة نظرك.

أريد أن أنبهك إلى أنني لست من كتب تلك الكلمات عن الوطن و الوطنية إنما هو مجرد اقتباس من أحد المعلقين في مساهمة سابقة لي عن هجرة الأدمغة.

لكن عموما قلت فأحسنت القول حقا، أعجبني استشهادك بنصوص قرآنية و أخرى من السيرة و الحديث.

أشكرك علي تقييمك لما كتبت في ردي ، ويشغلني تساؤلك حول مدي تحمل الشعوب جزء من مسئولية التخلف والفقر ، وهو ما يقودنا لتساؤل آخر هو هل يملك الفرد في المجتمعات المتخلفة أي أدوات للتغيير بشكل فردي أو داخل مجموعات بعيدا عن قبضة السلطات الحاكمة في هذه الدول ؟ ، مفردات الواقع الذي نراه وأحيانا نعايشه تؤكد أن الفرد غالبا ما يكون ترسا في العجلة الكبيرة لآلة الحياة في المجتمع وليس مسموحا له التحرك في عكس اتجاه العجلة أو بعيدا عن محيط دورانها

لا داعي للشكر، أعجبني تعريفك لذا قيمته إيجابا.

سأجيبك بنفس أسلوبك، أي الاستشهاد بنصوص قرآنية، يقول تعالى:

إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم

الإصلاح يبدأ من الفرد بنفسه، يقول أحد الحكماء:

الكل يريد تغيير العالم، لكن لا أحد يريد تغيير نفسه

إن الإصلاح يبدأ من إصلاحك لنفسك لتكون قدوة بأفعالك لمجتمعك و هكذا تتسع دائرة الفائدة، و هذا يمكنك أن تفهمه أكثر إذا قرأت رواية "قواعد جارتين"، لكننا قد تم تخديرنا بالعديد من الملهيات لنبتعد عن إصلاح أنفسنا، و بهذا تظل البلدان في تخلفها، و متى فطن الشخص إلى ما يدور حوله و أنقذ نفسه و أصلحها و هذبها و عاد إلى خالقه، وقتها يمكنه أن يساهم في تنمية بلده.

هناك قصة قصيرة لباولو كويلو تعجبني، أحكيها لك باختصار:

كان هنالك أب يقرأ الجريدة، فأتى طفله يزعجه، فما وجد الأب حلا غير أن يقتص جزءا من الجريدة صورت به خريطة العالم، و يقسمها إلى أجزاء صغيرة، و طلب من ابنه أن يرتبها كما كانت. عاد الأب ليقرأ جريدته و هو مطمئن إلى أن ابنه لن يستطيع فعل ذلك و لن يزعجه، لكنه يفاجئ به بعد دقائق و قد رتب الجريدة. حين يسأله: "كيف فعلت ذلك؟ هل علمتك أمك الجغرافيا؟" يجيب الابن: "لا، كان هنالك من الجهة الأخرى للخريطة إنسان، عندما كونت الإنسان، كونت العالم"

إن الأمر كله متوقف على الإنسان كفرد، تخيل فقط أسرة حيث الأم و الأب يعملان و عندما يعودان للمنزل يقضيان وقتهما بالهاتف، و يبقى الطفل مع الخادمة، يتحدثان معه بلغة أجنبية (حسب الدولة المستعمرة)، حبا بالله، كيف سينشأ هذا الطفل؟ إن الأمر بالكامل يبدأ أولا من الأسرة، إنها المجتمع الأصغر. عندما يصلح المرء نفسه، يصلحه أسرته، مجتمعه، و كما قلت تتسع الدائرة تدريجيا. لهذا قلت أن الشعوب تتحمل أيضا جزءا من المسؤولية، شعب لا يقرأ، يقضي وقته في توافه الأمور، (لا أقول الكل، و لكن الأغلبية)، غير مثقف، فأخبرني كيف سيساهم في تطور بلده.

هذه نظرتي للأمر، لم أتعمق أكثر في الأمر، لأنني مشغولة قليلا، لكن أتمنى أن تكون قد فهمت ما أقصده.