المقدمة

يُقدَّم الإجماع في التراث الإسلامي كدليل قطعي لا يجوز مخالفته، حتى أصبح وسيلة لإغلاق باب الاجتهاد أحيانًا. لكن المتأمل في أدلته يجد أنها محل اضطراب ونقد بين كبار الأصوليين أنفسهم. كما أن كثيرًا من هذه الأدلة ظنية الدلالة أو الثبوت. ومن هنا تأتي ضرورة إعادة فحص فكرة الإجماع بمنهج نقدي حديث.

فقد روي أن الإمام الشافعي رحمه الله، عندما سئل عن آية في كتاب الله تدل على أن الإجماع حجة، لزم داره ثلاثة أيام مفكرًا، وقرأ القرآن عدة مرات حتى وجد هذه الآية:

﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾

وهو أول من احتج بهذه الآية على حجية الإجماع كما قال الطاهر بن عاشور في تفسيره عند هذه الآية.

المصدر: المستصفى لـأبو حامد الغزالي، الجزء الأول، ص 11.

وقد ضعف دلالة هذه الآية على حجية الإجماع الإمام الغزالي نفسه بعد أن سرد هذه القصة، وكذلك الإمام ابن الحاجب، وكذلك فخر الدين الرازي في كتاب المعالم.

2/ قال الله تعالى:

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾

سورة البقرة، الآية 143.

استدل بها عدد من الأصوليين على حجية الإجماع، ولهم طرق عديدة في الاستدلال بها، وقد ضعف عدد من العلماء دلالة الآية على حجية الإجماع كـالطاهر بن عاشور، وقال إن الآية تدل فقط على حجية الإجماع فيما عُلم من الدين بالضرورة، وليس دليلًا على حجية إجماع المجتهدين.

وقال أبو حامد الغزالي في كتاب المستصفى:

وذلك قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران: ١١٠] الآية، وقوله تعالى: ﴿وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون﴾ [الأعراف: ١٨١]، وقوله تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقوله تعالى: ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾ [الشورى: ١٠]، ومفهومه: أن ما اتفقتم فيه فهو حق، وقوله عز وجل: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ [النساء: ٥٩]، مفهومه: إن اتفقتم فهو حق.

فهذه كلها ظواهر لا تنص على الغرض، بل لا تدل أيضًا دلالة الظواهر.

المصدر: المستصفى، المكتبة الشاملة، ص 138.

تعليق

الغزالي ينص على أن هذه الآيات لا تدل دلالة قوية على حجية الإجماع، وعند الغزالي فإن الحجة في كون الإجماع حجة هي حديث: «لا تجتمع أمتي على ضلالة».

وقد قال بدر الدين الزركشي عنه في كتاب البحر المحيط ص 57:

طرقه كثيرة ولا تخلو من علة، وإنما يتقوى بعضها ببعض.

وأيده في ذلك:

ناصر الدين الألباني

الحافظ العراقي

ومن هنا نقول: كيف يكون حديث حسن لغيره دليلًا على حجية الإجماع، وقد وجدنا أن جميع الأدلة الأخرى ليست أدلة قطعية؟ ثم إن الحديث الحسن لغيره ستجد من الحفاظ من يضعفه، ومن ثم فهو عند هذا التصور دليل ساقط.

الخاتمة

يتبين أن حجية الإجماع لم تُبنَ على أدلة قطعية واضحة، بل على استدلالات مختلف في قوتها وثبوتها. كما أن تضخيم سلطة الإجماع أدى إلى تقديس التراث وتعطيل حرية الاجتهاد والنقد. ومن المنظور الحداثي، فإن مراجعة هذه الفكرة ضرورة لإعادة قراءة الدين بصورة أكثر عقلانية وارتباطًا بواقع العصر.