حين نصغي الى ما لا يقوله الناس

في زمن تتداخل فيه الاصوات وتتزاحم فيه الوجوه صار الصمت لغة اخرى لا يسمعها الا من امتلك قلبا يراك قبل ان يرى شكلك ويقرأ وجعك قبل ان تكتبه وحين نقف امام انسان يضحك كثيرا قد لا ندرك انه يخفي خلف ضحكته معركة وان من يبدو قويا ربما يخشى فكرة الانهيار اكثر من خوفه من الحياة نفسها وان من يثرثر بلا توقف قد يبحث فقط عن يد تمسكه من حافة السقوط

صرنا نعاشر اناسا لا نعرف ما الذي يسقطهم كل ليله ولا ما الذي يقيمهم كل صباح ولا ما الذي يثقل ارواحهم او يبهجها ومع ذلك نمضي نطلب منهم المزيد من الثبات كأننا ننسى ان اثقل الحروب تلك التي لا تراها العين

ولعل اجمل ما يمكن ان يقدمه المرء لغيره ان يصغي اليه دون حكم وان يمنحه لحظه يشعر فيها انه مرئي انه مسموع انه موجود وان يترك له متسعا كي يتنفس كي يبوح كي يرتاح كي يعود الى نفسه من جديد

السؤال

هل نحتاج ان نتكلم اكثر كي نفهم بعضنا ام ان السر كله في ان نجد من يفهم صمتنا


BasmaNabil17 أضف ردا

دعينا من هذه المثالية الزائفة. إذا لم تتحدثي لن يفهمك أحد، وحتى إذا تظاهرت ِبالسعادة، سيظن الجميع أنك كذلك. الفهم الحقيقي والعاطفة الصادقة برأيي لا يمنحها إلا الأم أو الأب، فالأمومة والأبوة وحدهما يعرفان ما وراء الكلمات أو الصمت، أما باقي الناس فيحتاجون أن نخبرهم بما في داخلنا ليقدروا ما نشعر به.

أقدر رأيك و لكن ما كتبته لم يكن مثالية ولا زينة لغوية بل محاولة لملامسة حقيقة نعيشها جميعا حتى إن تجاهلناها

فالكلام مهم نعم لكنه ليس كل شيء

هناك أرواح يفضحها الصمت أكثر مما تفضحها الكلمات

وهناك قلوب لا تحتاج إلى شرح طويل كي تراها كما أنت

وإن كان فهم الآخرين صعبا فهذا لا يعني أن نُسقط قيمة الإنصات ولا أن نحصر الدفء الإنساني في دائرة ضيقة

فكثيرون مروا في حياتنا وفهمونا بلا شرح وأمسكوا بنا من حافة الانطفاء من دون أن نطلب

لم أكتب لأبدو مثالية بل لأقول إن بعض البشر لا يريدون منا سوى لحظة صدق

وإن الرقة في الإصغاء لا تقل أهمية عن وضوح الكلام

ولعل اختلافنا هنا لا يفسد المعنى

لكنه يذكرني فقط بأن أسلوبي في التعبير يستحق أن يُفهم قبل أن يُحكم عليه

كلامك صحيح يا هبة في مجمله ولكن أتفق أكثر مع رأي الصديقة بسمة في أننا لابد أن نفصح عما بنا ليرانا الناس ويروا أوجاعنا وإلا صمتنا لن يعني لهم شيئا أكثر من الصمت. لن يقرأوا صمتنا لأن كل واحد مشغول بهم نفسه خاصة هذه الأيام. أتذكر بعد الجامعة بعام او عامين كنت ألتقي وأحد أصحابي المقربين وكانت لديه مشاكل عاطفية فهو كان مجتهدًا جدًا حتى كاد أن يصبح معيدًا غير أنه فاشل عاطفيا ولم يجرب ان يحب أو يحبه إحداهن ويبدو لانه كان نحيلاً جدًا. ذات مرة كان يشكو لي أوجاعه ولما قاطعته لأواسيه قال لي بالحرف الواحد: سيبني أفضفضلك شوية.........خليني اكلم........! لم أفهم حينها أنه يريد قلبًا أن يشعر به وأذنا صاغية لا لساناً يفسر أو يعلل أو يبرر واستغبت من نفسي كيف لي لم اشعر به وبآلامه المكنونة من قبل!..........هو الآن في أحسن حال في حياته كلها وفقه الله ولكن ما أريد أن أقوله أننا رغم قربنا لن نفهم صمت الصامتين في اغلب الأحوال....

أقدّر ما رويته وأفهم تماما أن الكلام يفتح أبوابا لا يفتحها الصمت وأن بعض القلوب تحتاج لحظة بوح كي تتخفف من ثقلها لكن رأيي يظل أن الإنسان لا يفصح دائما لأنه لا يقدر أو لأنه لا يجد اللغة المناسبة أو لأنه يخشى أن تُستهان أوجاعه لهذا قلت إن الإصغاء فضيلة لا تقل عن السؤال وإن قراءة ما خلف الوجوه ليست مثالية بل حس إنساني بسيط نفتقده مع ازدحام الأيام

ما حدث مع تعليق الاخت بسمة جميل لأنه وجد من يسمعه ولأنه سمح البعض أن يقترب من كلماتها لكن هناك من لا يقدر حتى على الطلب ومن يقف على الحافة ولا يملك سوى صمت أثقل من الكلام هؤلاء لو امتلك من حولهم شيئا من البصيرة لخفف عليهم الطريق خطوة بعد خطوة

لا أختلف معك في أن الناس مشغولون بأنفسهم ولكن هذا بالضبط ما يجعل لحظة الإنصات أعمق وأندر وأكثر معنى فنحن لا نطلب أن يفهمنا الجميع بل أن يتذكر بعضنا أن خلف الصمت حياة كاملة تبحث عمن يراها

اعتقد أن الصمت أيضاً مساحة ابستمولوجية مهمة جداً تمارس فيها أكبر أشكال السلطة، من يملك مساحات الصمت يمتلك القوة والقدرة على التحكم، لذلك ليس دائما يكون الكلام مدعاة للفهم ، أحياناً أصلا نحن نعتقد أننا نحتاج للفهم في حين أننا نحتاج اشياء أخرى، التقدير حتى بغير فهم، المساعدة حتى بدون طلب، الأمان بدون تقديم تنازلات ، الشعور بنا بدون اي كلام .......

الصمت الذي تتحدثين عنه ليس فراغاً بل هو أفق، ليس غياب كلام بل حضور نفوس، فيه تنبت القوة الصامتة، فيه تتشكل إرادة لا يطالها التغيير. من يملك الصمت يملك القدرة على الاحتواء، على قراءة ما بين نبضات الآخرين وما يخفونه خلف الكلمات. في الصمت يولد التقدير من دون شروط، ويزهر الأمان من دون تنازلات، ويشعر القلب بالآخر حتى قبل أن ينبس بأي لفظ. أحياناً يكون الصمت أعظم لغة، وأصدق حضن، وأرقى حضور يمكن أن يُهدى دون أن يُسأل، دون أن يُفهم، لكن يُحس.