انتشار المحتوى العفوي صدق أم مجرد شكل جديد من التصنّع؟

انتشرت في الفترة الأخيرة موجة المحتوى العفوي. صور غير مرتّبة، فيديو لحظة فجائية، ضحكة خارجة بدون إعداد… وكلها تُقدَّم على أنّها لحظات صادقة. لكنّي لاحظت شيئًا غريبًا أحيانًا أشعر أن هذا العفوي مُخطّط أكثر من المحتوى التقليدي نفسه. كأنّ الناس أصبحت ترتّب الفوضى، وتعيد تصوير اللحظة الطبيعية عشر مرات حتى تظهر طبيعية بما يكفي. مرة جرّبت أن أصوّر مقطعًا عفويًا. اكتشفت أنني أفكّر في الإضاءة، والزوايا، وشكل المكان خلفي… وفجأة أدركت أنّي أجهّز للعفوية بطريقة مضحكة قليلًا.😅 وهنا بدأ السؤال يدور في رأسي هل نبحث عن الصدق فعلًا أم أنّنا فقط نبحث عن نسخة لطيفة منه… نسخة قابلة للنشر .... لا أملك إجابة واضحة. لكنّي أشعر أن العفوية أصبحت خليطًا من الحقيقة والنية… ولا أحد يعرف أين ينتهي الصدق وأين يبدأ الترتيب.


أشعر فعلا أن العفوية اليوم أصبحت نسخة محسّنة من الترتيب، فقط بلمسة فوضى مدروسة كي تبدو واقعية. وكأننا لم نعد نبحث عن اللحظة كما هي، بل عن لقطة تشبه الحقيقة لكنها تظل في النهاية معدّة للنشر. والنتيجة محتوى يبدو عفويًا… لكنه متعب أكثر من المحتوى المرتّب نفسه.

نحن فعلا بتنا نبحث عن لقطة تشبه الحقيقة لا الحقيقة نفسها. من تجربتي الصغيرة مع التصوير، لاحظت أنّ المشكلة ليست في التمثيل بل في رغبة الناس في أن يظهروا طبيعيين وهم في أصل اللحظة غير طبيعيين أصلاً. لذلك أصبحت العفوية المعروضة على المنصّات مزيجًا غريبًا بين اللحظة الحقيقية وما نتمنّى أن تبدو عليه. وكأن المحتوى تحوّل إلى محاولة دائمة لتلطيف الواقع بحيث يصبح قابلاً للمشاركة، لا للعيش فقط.....

الفكرة ان الناس على المنصات تعتاد التمثيل لدرجة انه يختلط مع طبيعتهم، ف يصبح ما نقول عنه نحن تمثيل هو طبيعتهم بالفعل

اعلم بعض الاشخاص الذين اعتادوا مواقع التواصل الاجتماعي والتصوير حتى اصبح الأمر عادة لهم تمثل حقيقتهم، لهذا قد نرى في بعض الوقت ان الامر كله تمثيل في حين ان من يقدمه يرى انه طبيعته لشدة اعتياده عليه

فعلا مع الوقت، كثرة التعرض للتصوير والمشاركة على المنصات تجعل سلوك الشخص يتأثر بطريقة غير واعية، فيصبح تمثيله شبه طبيعي بالنسبة له، ويظن نفسه عفويًا. يعني أحيانًا الواقع نفسه يتحوّل بفعل العادة، بحيث يصعب التفريق بين العفوية الحقيقية وما أصبح سلوكًا مكتسبًا من كثرة المشاركة.