مجتمع للمبدعين لمناقشة وتبادل الأفكار حول التدوين وصناعة المحتوى. ناقش استراتيجيات الكتابة، تحسين محركات البحث، وإنتاج المحتوى المرئي والمسموع. شارك أفكارك وأسئلتك، وتواصل مع كتّاب ومبدعين آخرين.
كيف أصنع قصّة ناجحة؟
لا زلتُ أذكر عندما كنت طفلةُُ أنّ قصّة"بائعة الكبريب" ،من تأليف الشاعر والأديب الدنماركي هانس كريستيان أندرسن، كانت من أشدّ القصص تأثيرا فيي. في هذه القصّة ترتسم معالم معذّبة للإنسانيّة التي جسدّتها البائعة الصغيرة وحكاية لطفولةٍ سُلِبت من براءتها وأبسط حقوقها. ولذلك فإنّ أثر هذه القصّة عليّ كان أثرًا كبيرًا إذ أنّني اكتشفت للمرّة الأولى أنّ الحياة يمكن أن تعيش انفصامًا حادًّا. فتارةً تجدها تقدّم الأفضل لبعضهم وتارةً أخرى تجدها بأقسى حلّة مع البعض الآخر ووفق معايير لا أعلم ما هي! من هذا المنطلق يمكنني أن أقول أنّ أحد أبرز عناصر القصص المؤثّرة هو " الأثر". القصّة الجيّدة تترك أثرًا حسنًا في القارئ. قد يكون هذا الأثر درسًا تعلّمه القارئ حول قيمة إنسانيّة سامية أو تطوّرًا أحرزه على الصعيد الشخصي والنفسي والفكري والإنساني أو قد يكون على شكل صناعة كاتب جديد. وأمّا العنصر الآخر الذي لا يقل أهميّة هو عنصر المشكلة التي يقابلها حل ديناميكي ومرن. فالقصّة التي تخلو من مشكلة تلمس المهارات الذهنية لدى القارئ تكون فارغة المحتوى وهدر للوقت. وفي المقابل فإنّ القصة التي لا تقدّم حلّاً مرنًا يمكن تغيير قياساته حسب مقاس القارئ هي أيضًا قصّة فاشلة استراتيجًّا بالنسبة للقارئ.
أفهم قصدك بالتأكيد، لكن معيار القيم السامية ومعيار المشكلة والحل، ليسا هما المعيارين الوحيدين لجودة القصة، فهناك قصص ممتعة لتسلية الوقت مثل الأساطير اليونانية وهي مشهود لها بالجودة، وهناك قصص تحكي وتعرف القارىء بما يحدث داخل نفوس شخصيات القصة وتسرد تفاعلات إنسانية يكاد يصدق القارىء إنها حقيقية من جودتها مثل الأدب الروسي لتولستوي وديستويفسكي.
أعتقد أنّ القصص الممتعة والتي تحمل حسًّا فكاهيًّا لها أثرين:
_تعزيز الأجواء الإيجابية لدى القارئ وتحسين حالته النفسية
_غرس حسّ الفكاهة والدُعابة وهو أمر يعزّز من قدرة الفرد على الاندماج الاجتماعي
بالنسبة للأثر الأوّل فهو أثر مؤقّت لا يلبث أن يتلاشى سريعا. وأمّا الأثر الثاني فهو تغيير يشمل المدى الطويل. ولذلك فإنّ الأثر موجود مع الفارق بالإطار الزمني.
وأمّا عن القصص التي يغوص فيها القارىء بعالم اللاوعي فهي تحمل تأثيرات كبيرة وأنا أتحدث من منطلق تجربة شخصية. فعندما اخترت السير باختصاص الأدب الانكليزي، كان هناك العشرات من القصص التي علينا قرائتها وتحليلها والغوص بأدق تفاصيلها ومن ضمنها روايات لروائيين مثل دوستويفسكي كما تفضلتم و فيرجينيا وولف وجيمس جوي وغيرهم. والعلامة الفارِقة بالنسبة لي هنا أنّني تجاوزت حدود السطحية في تحليل الأفراد وسلوكهم. صرتُ أغوص إلى البواطن في التحليل والاستنتاج. وهنا أثر ملموس يمكن أن يتركه الأدب وهو في طرق مقاربتنا للآخرين.
التعليقات