مجتمع للمبدعين لمناقشة وتبادل الأفكار حول التدوين وصناعة المحتوى. ناقش استراتيجيات الكتابة، تحسين محركات البحث، وإنتاج المحتوى المرئي والمسموع. شارك أفكارك وأسئلتك، وتواصل مع كتّاب ومبدعين آخرين.
أن تكون أبا!
يصعب على الكثير من الناس، ممن عاشوا في كنف آباء دكتاتورين متسلطين أن يستوعبوا وجود أب لا يجد غضاضة في اللعب مع ابنته التي تجاوزت سنها العشرين سنة و التي تناقشه و تحاوره و تخالفه الرأي و تجادله و تقنعه و تعاتبه و تبكي بين يديه و تضحك للمقالب التي تجعله ضحيتها و تخرج برفقه و تجالسه في المقاهي و على مرافئ البحار تحكي له عن أمالها و طموحاتها، تخبره عن كاتبها المفضل و ما تلبث أن تعدل عن رأيها لتختار كاتبا آخر، و ترسل له رسائلا تخبره بحبها و اشتياقها و تبعث له مقطعها الموسيقي المفضل و ترقص معه على أنغام أغانيه الكلاسكية القديمة و تجلس إلى جانبه بعد أن يخلد البيت كله للنوم.. يروي لها قصص السبعينات و صراعات اليسار و اﻹسلاميين و مطلع الصحوة و عن سنوات الرصاص و الانقلابات و الجنرالات و لقمة العيش، عن أول كتاب بصم حياته، و عن أول خطأ و أول خيبة، و عن أول لقاء بينه و بين أمها، و عن أول صرخة عند مولدها، عن الضمة اﻷولى و القبلة اﻷولى، عن حفل عقيقتها و كيف مر و من حضر، عن سنوات الحضانة و محاولات التخلص من الحفاضات.. عن ذلك اليوم الذي تاهت فيه و عن كمية الجنون التي كادت تفتك بعقله، عن صراعاتها مع دمياتها و صيصانها.. عن سنوات الدراسة و فرحة المراتب اﻷولى، عن فخر التفوق الدائم، عن سجدة الشكر التي تلت خبر نجاح الباكلوريا، عن الاعتزاز الذي أغرقه عن نيلها لشهادتها العليا..
سنوات و سنوات يقضيها هذا الرجل المسمى أبا يحمي و يصون و يواسي و يعرق جبينه و يشيب شعر رأسه و ينحني ظهره ليرى تلك اﻷيقونة ابنته، ذلك الكائن اللطيف الذي خرج من صلبه، سعيدة مميزة ناجحة قوية.. و كيف لا تكون قوية و هي التي استمدت قوتها منه و هو الذي علمها أن الخوف سلاح الجبناء، و الذل راية يحملها الضعفاء. و أن الكرامة وحدها التي تستحق أن نبكي ﻷجلها، هو الذي علمها أن لا سلطة لرجل عليها كيفما كان، فحتى و هو والدها و رجل حياتها لا يجدر بها أن تخافه ولا أن ترتعش فرائصها منه و لا أن يمارس عليها سلطة جلاد مع رعيته، بل السلطة لﻷخلاق التي أنبتها عليها و للرقيب الذي علمها محبته و خشيته منذ نعومة أظافرها.. فيلقي بها إلى معترك الحياة واثقا مطمئنا أن روحها أطهر من أن تقبل رذيلة و أن عقلها أرقى من أن يسقط في التفاهات و أن قلبها مشبع حبا و حنانا من أن يبحث عن مغامرات صبيانية شهوانية تافهة حتى و إن هاجرت لبلدان بعيدة ..
تطبع علاقة اﻷب بابنته حياتهما معا، فهو أشد الناس فخرا بها، أما هي، فلا شيء يعادل سلامة قلب فتاة تربت في كنف أب سهل لين طيب واثق ذو كرامة لا تقبل المساواة و صاحب فكر و وعي. فإن درست كانت مصممة على جعله فخورا بها و إن تزوجت كانت زوجة تحب و تحترم زوجها الذي ترى فيه رجلا يشبه أباها الرائع لا صاحبة عقد ذكورية تصارع ذكريات والد متعجرف، و إن كانت أما جعلت تربية أبنائها على الثقة و الصدق و العزة و الكرامة التي تلقتهما و هي طفلة همها و غايتها.
'فمالذي يعادل وجود أب كذلك؟!
شتان خديجة بين القسوة والاحترام، فالاحترام والهيبة من الأب لأبناءه والعكس يقتضي أن يلاطفهم ويلاعبهم وأن ييسر أمورهم وأن يكون قريبا منهم، لكن على نحو يحفظ مقامه كأب، لو أنك قابلتي شخصا مرة واحدة وجلستي معه وتحاورتما باحترام وتقدير، سيكون في قلبك مهابة منه وتقدير شديد، فما بالك لو تكرر هذا كل يوم وتطور الأمر إلى اللعب والهزل، وأخذتما على بعضكما البعض، ألستِ تعتادين ذلك، ويصبح مألوفًا لكِ، وسقطت هيبته من قلبك!
أما القسوة التي نجدها من بعض الآباء هذه الأيام لا تستحق أن نذكرها أو نذكرهم بسببها، فهم أبعد ما يكون عن معاني الإنسانية والرحمة.
وأود أن ألفت انتباهك خديجة أن المرأة لا تبحث عن الأبوة في شخص آخر، لكن خلقنا الله كذلك، نحتاج إلى اتصال روحي بشريك أكبر من اتصالنا بالأب والأم، هذه فطرة فطر الله الناس عليها، فلا مشكلة فيها.
أما معنى حديثك أنه لو كان للبنت أبًا جيدًا رؤوفًا رحيمًا، ما احتاجت الأنثى أبدًا إلا زواج
أن تتحدث بالتعميم و أن قلت الاغلبية من البنات و هنا الفرق، لأني لو أدرت التحدث بالتعميم سأقول لك و هل البنات تتزوجن فقط لترقصن مع أزواجهن؟
هذا أولا، ثانيا مقام الشخص عندي لا يرتجّ إلا بالمواقف لا بهزله ولا بجدّيته؛ و كل يرى الأبوة بمنظوره.
البنات أو حتى الشباب يتزوجن بسبب احتياجاتهم النفسية والطبيعية لكل معنى من معاني المشاركة الوجدانية والحياتية، التي لا نستطيع أن نتشاركها مع الآباء والأمهات، هذا ما أردت إيصاله لك خديجة.
هذا لا يقلل من قدر الآباء إطلاقًا، فهم يعملون ويسهرون ويحاولون قدر الإمكان أن يجعلونا أفضل منهم، ويجب عليهم أن يكونوا بارين بأبنائهم قبل أن يطلبوا بر أبناءهم.
أما ما ذكرته من الفطرة والرغبة في المشاركة بمستوى وجداني وروحي أعلى من المشاركة معهم، فلو كان الأمر غير ذلك، فلماذا تزوجوا هم من الأساس؟
التعليقات