ما نخشى حدوثه للقارئ..قد نقع فيه ككُتاب، ماهو إذن؟

تعد الكتابة عملية تواصلية تلتقي فيها نظرة الكاتب للحياة وقدرته على رسم الأفكار بالكلمات وبين قوة تركيز القارئ في طريقة تحليله وفهمه لمضمون النص. إذ تمثل الكتابة متنفس ومأوى الذي يلجئ إليه في أفراحه وأقراحه، إذ يرى بأن البوح للغير أو البكاء على الأطلال أمراً غير كافيا...، ليجلس في مواجهة مع النفس محضرا أحرفه وكلماته التي تمثل حضنا بالنسبة إليه، وهو ينسج القصص ويتخيل شخصياتها تمتلكه حيرة بين توقف أحيانا وبين الاستمرار في الكتابة أحيانا أخرى حتى ولو كانت بلا وجهة واضحة، وبإعتبار أن الكاتب مرأة مجتمعه ووسط هذه الشروط التي تقيده يشعره أنه مراقب من كل الزوايا لذا تمتلكه بعض المخاوف، فيخاف أحياناً من السلطة، وأحياناً أخرى من الشارع ، ومؤخراً من “السوشال ميديا” كجهة لها هيبة وسلطان.

لذلك قد نتساءل، ما أكثر شيء نخاف منه ككُتاب مما ننشره؟، بالرغم من الأشياء الذي قد يختلف عليها البعض منا، إلا دعونا نجمع بعض من الأمور قد نكون نشترك فيها:

  • أول شيء، شبح أن يفهم القارئ أحرفنا بغير الطريقة التي أرادنا إيصاله إليه، الكاتب لا يريد أن يفكر القارئ خارج صندوقه المملوء بنواياه وأفكاره وعبارته، هذا الخوف يمثل هوسا بالنسبة للكاتب فتجده يكرر صياغة أحرفه أكثر من مرة سعيا لأن تصل رسالته بالشكل الذي أراده خوفه أن ألا تحقق كلماته المراد الذي يسعى إليه، أتعلمون متى يحدث ذلك؟ خصوصا عندما يكتب عمدا بطريقة غير مباشرة، مثلا يتكلم عن قيمة الكلمة في مقابل يشرح لنا واقعها المرير الذي تعيش فيه، وكيف تم كبتها ونبذها، المراد أن نقرأ ما تحت السطور، أما عن الأسئلة التي يطرحها أغلبيتها لا تستحق أن تجد أجوبة لها بقدر ما يستدعي الفهم والبحث عن استفسار مقنع بواقع المرير الذي يحدث ووعي بخطورة ما قد نصل إليه.
  • ثاني شئ، يمثل خوفا بالنسبة للكاتب الذي يخشى أن يأخذ القارئ نظرة مسبقة عنه حتى قبل أن يتم قراءة كلماته ونصوصه، لأن يعلم بأن الكلمات هي الرابطة الوحيدة التي تجمعه به وتمثل حصنا متينا وسندا منيعا يختبئ تحته. لذلك يسعى جاهدا أن لا يحصل ما لا يريده نتيجة إدراكه بحقيقة أن القارئ إذا أخذ موقفا حول الكاتب وأجزم ألا يقرأ له مرة ثانية، لن يخطو خطوة أخرى اتجاه أعماله القادمة....، لذلك يسعى الكاتب جاهدا أن يرسم صورة مقبولة أمام قراءه، بحكم أن القارئ تسيطر عليه العاطفة ويتأثر بها في ميولاته فيختار على أساسها كاتب على حساب الأخر، فنجده يبحث عن خلفية الكاتب ومرجعتيه ليقرر بعدها إذا ما يواصل قراءاته له أم لا، وهذا أمر مهم لابد أن يعيه الكاتب، لأنه قد يمثل قدوة بالنسبة للكثيرين من جمهور القراء.

لكن قد نتساءل مرة أخرى، في ظل الأمور التي يخشاها الكاتب أن يقع القارئ فيها ..ما الشيء الذي يقع فيه هو بدون دراية في بعض المرات؟، من بينها قد نجده يأخذ حكما مسبقا في بعض المواضيع بدون التأكد من مصدر المعلومة، متشبث برأيه وأفكاره فلا يترك المجال مفتوحا حتى للقارئ أن يفكر أو أن يقرر بنفسه، فمثلا يخشى ألا يقع قًراءه في أخذ حكم مسبق عليه، قد نجده هو من وقع في هذه الحفرة....وفي لحظة يكون تركيزه مبعثر وذهن مشتت قد يولد للكاتب أفكار مختلطة، ما يقوم به لحظتها تفريغ ما يدور بداخله ..يكتب من أجل أن يكتب فقط، ليجد نفسه واقع في دوامة ليصل الى الخاتمة وينطلق من جديد وهكذا ...فكيف إذن للقارئ أن يفهم ما كُتبً، إذا الكاتب نفسه لم يعي بجدية ما تخطو قلماه، لذا قد يعي بعض القراء أن قراءتهم له بدون هدف أو وجهة....، فما خشي وقوعه حدث، ليجد نفسه منغمس في دوامة يبحث للخروج بأقل الأضرار خصوصا إذ انتبه قراءه لثغرات التي تملئ كتاباته التي لم تعد تمثل فائدة بالنسبة لهم أو الأحكام المسبقة التي وقع فيها....فكيف بإمكانه أن يعيد تلك الهيبة والثقة التي سقطت منه؟

وماذا عنكم، يا أصدقاءنا الكًتاب، ما أكثر شئ تخافون حدوثه؟ وهل هناك بعض من الأمور تخشون أن تحدث لجمهور القراء؟ شاركونا بعض من الأفكار؟ 


ما أكثر شئ تخافون حدوثه؟

عندما كنت في الكلية، كنت أدرس مادة "حرفية كتابة"، ومن أسمها يتضح أن تخصص مجال الدراسة بها، هو كيفية الكتابة بشكل إحترافي، كنت أخشى كثيراً من تقييم أستاذة المادة لما أكتب، لذلك كنت أركز بشدة في كل كلمة أكتبها، وأن أطبق ما درسته من نظريات وإتجاهات الدراما بشكلٍ صحيح، حتى أحصل على تقديرات عالية منها، والأكثر أن أثبت لنفسي أنه بإمكاني أن أصبح كاتبة محترفة في يومٍ ما، ولكن ما حدث عكس ما كنت أسعى إليه، كانت دائماً تكتب لي ملاحظات على الكتابات التي أقدمها لها، دائماً كانت تعترض على بعض الأمور، وكنت أحاول إصلاحها دون جدوى.

وفي إحدى المرات التي كان يجب أن أكتب شئ لأقدمه لأستاذة المادة في اليوم التالي، لم أستطع أن أكتب شئ، فأنا أعلم مسبقاً أنها ستعترض مهما حاولت، وإنتهى اليوم دون جدوى، فقررت تقديم إحدى القصص التي كنت قد كتبتها مسبقاً، ولأول مرة منذ بداية العام أسمع منها كلمة "برافو"، إندهشت حينها ولم أنطق بكلمة واحدة، كنت أظن أنها ستتجاوز معي مرحلة الإعتراض وتقوم بتوبيخي أمام الجميع، ولكن ما حدث أنها إمتدحتني وظلت تشرح حرفية الكتابة على ما قدمته لها، وكنت أظنه أسوء شئ!

منذ ذلك اليوم قررت ألا أخشى شئً أبداً أثناء كتابتي، فهذه القصة التي إمتدحتني عليها لم أكن أفكر في أي شئ أثناء كتابتها، لم أكن أفكر في مدى صلاحية الفكرة من عدمها، لم أكن أفكر في الكلمات أو أسلوب الصياغة، لم أضع رأي وتقييم أستاذة المادة أمام عيناي، كنت أكتبها لأني كنت أريد كتابتها فقط دون الإعتبار لأي شئٍ آخر.

عندما نخاف من حدوث شئ، يحدث بالفعل.

صدقت يا ماري، إعتقادك في محلك، ويقال الأفكار السلبية والتي نركز على التفكير فيها سنجذبها إلينا بدون أن نعلم بذلك، لذلك يقال فكر بإيجابية أو فكر بسطحية ولا تعطي الأمور أكثر من حجمها، وهذا ما حدث معك بالضبظ مع الأستاذة عندما كنت تكتبين كنت تحرصين على ملاحظات الأستاذة أكثر من التفكير بالكتابة نفسها لذلك حدث ذلك.

لذلك أعتبر الكتابة فن وإبداع بنفرذ به الشخص عن الأخر، وهوما يخلق تميزنا وإختلافنا، وبعض القواعد تكسر هذا الفن أكثر من أن تبنيه.

Mary23hendy أضف ردا

دائماً هناك صراع بين إن كان الفن موهبة وإبداع أم دراسة ونظريات، هذه الإشكالية كنا نطرحها كثيراً فيما بيننا وقت الدراسة، كما أننا كنا نناقشها مع أساتذة القسم، ولم نكن مقتنعين بأهمية الدراسة الأكاديمية للفن، خاصةً في أول وثاني سنة، ولكن بعد ذلك عندما بدأنا في التنفيذ العملي لما درسنا، سواء كتابة أو تمثيل أو ديكور، أدركنا أهمية الدراسة، ومعرفة الإتجاهات المختلفة والظروف السياسية والإجتماعية التي أدت لتعاقب الحركات الفنية، وكيف أن لكل إتجاه تأثيره على المتلقي، وعلى مستوى الكتابة إستطعنا التمييز بين الكاتب المحترف والمبدع والكاتب الضعيف من خلال تحليل عناصر النصوص الفنية.

ما أريد قوله، أن دراسة النظريات والإتجاهات الفنية، والإطلاع على كتابات من سبقونا، سواء الجيدة أو الرديئة، هى التي تشكل أسلوبنا الخاص في الكتابة وتمنحه الثقل والعمق، فبدون دراسة ستظل كتاباتنا سطحية، ولن تصل للنضوج ولمستوى الكتابة الإحترافية أبداً، سواء كانت هذه الدراسة أكاديمية أو دراسات حرة، لكنها أساسية وهامة جداً، وفي نفس الوقت لا يجب أن تكون بالنسبة لنا كالمسارات والقوالب الجامدة التي لا نستطيع الخروج عنها، بل تكون كالنهر الجاري الذي ننهل منه لنشكل أسلوبنا الخاص دون تقيد أو خوف.

صحيح يا ماري بخصوص ما تفضلت به، لو ننظر الى بدايات التي إنطلق منها الكاتب لعرفا بأنها كانت وليدة خلفية نظرية إعتمد عليها وإكتشها إما من خلال البحث و الإطلاع،أو الدراسة،... كل هذه الأمور ساهمت في دفعه للبدأ وخوض التجربة...