في كتاب الأمير يخبرنا مكيافيلي هذه النصيحة التي قد يراها البعض قاسية عن كيفية التعامل مع الناس: حينما يكون الإنسان لطيفاً من البداية يظن الناس أن هذا اللطف ضعف لأن الرجل الذي لا يُظهر فتكه، يعتبرونه عاجزاً أو ساذجاً، لكن عندما يظهر الإنسان الجانب القاسي أولاً، ويثبت أنه قادر على سحق كل شىء يقف في طريقه، ثم يختار أن يكون لطيفا، يبدأ الجميع في رؤية الأمور بشكل مختلف، فاللطف هنا لا يُفهم كضعف، بل كقوة مختارة، هم يعلمون الآن أنك قادر على تحطيمهم، لكنك تختار ألا تفعل. وفي الحقيقة عندما تأملت قليلاً وجدت هذا الكلام يحدث في الواقع، ونظرتنا للناس تكون على هذا الأساس. تذكرت موقف حدث معي في الصف الثالث الإعدادي.. هدوئي الشديد كان يعطي انطباع للبعض بأنني ضعيف، أو ردة فعلي مضمونة، كان معنا زميل بلطجي، من أولئك الذين يسيرون دائما بآلة حادة لاستعمالها في المشجارات اليومية، الجميع كان يتحاشاه..حتى أنا. ذات يوم وأنا خارج من الفصل بعد انتهاء اليوم الدراسي ضايقني بشكل استفزني، أعرف أنه كان متأكد في قرارة نفسه أنه لن يكون لي ردة فعل تُذكر، لكن هذا لم يحدث، ردة فعلي وقتها كانت سريعة وعدوانية، فجأة وجدت الزملاء وبعض المدرسين يحاولون تخليصه من تحتي وأنا أسدد الضربات لوجهه المستفز المليء بالخنادق. وكبر الموضوع ووصل لمدير المدرسة والأخصائيين. كنت أعرف أنه لن يسكت على إهانته. لذا ظللت فترة بعدها أخفي في ملابسي نصل سكين حتى أدافع عن نفسي. كان هذا ضد طبيعتي وقتها..لكنه كان ضرورياً.. خاصة أن المدرسة كانت بعيدة عن بيتي وكنت أذهب إليها مشياً. لكن المفاجأة أنني سرعان ما أصبحت شخصاً مشهوراً جديراً بالاحترام خاصة عند فئة الشوارعية. حتى هذا الشخص الذي كنت أستعد لشجار آخر معه أكثر دموية.. أصبح يسلم علي كلما رآني.. ظلت هذه معاملته معي إلى أن تم احتجازه في مصحة لعلاج الإدمان بعد سنوات. حتى بعدما خرج وسافر وعاد وكبرنا.. منذ أيام تقابلنا في الشارع لا زال يذكر اسمي وسلم علي وسلمت عليه. أعتقد أنني ما كنت سأكون جديراً بالاحترام في عينه وعين الكثيرين لو لم يروا مني ذلك. لذا أتفق بنسبة كبيرة مع نصيحة ميكيافيلي.
القسوة ضرورية لتنال الاحترام. على ضوء كتاب الأمير
أتفق معك في أن إظهار القوة والقدرة على الردع يغير موازين العلاقات ويجبر الآخرين على احترامك،
لكن تبني هذه الفكرة كمنهج حياة مطلق وشامل قد يكون مرهقاً وكارثي وغير دقيق، إذ يعتمد ذلك بالدرجة الأولى على طبيعة الأشخاص والمحيط الذي تتعامل معه وحجم شر الآخر.
في البيئات القاسية أو مع الشخصيات التي لا تفهم إلا لغة القوة مثل فئة الشوارعية أو البلطجية يكون إظهار (الجانب الفتاك) ضرورة حتمية لحماية النفس وفرض الاحترام، فاللطف مع هذه الفئات يُترجم فوراً كعجز وسذاجة كما حدث في تجربتك في المدرسة.
لكن في المقابل، إذا طبقنا نفس المنهج المكيافيلي القاسي في علاقاتنا الإنسانية كلها ومع الأشخاص كلهم (سويين وغير سويين) كالأصدقاء، الشركاء، أو زملاء العمل، فإن البدء بالقسوة والعدوانية لن يولد احتراماً بل سيولد نفوراً، جفاءً، وعزلة، ويجعل المرء يبدو كشخص هجومي أو غير متزن.
لذا، فإن الحكمة الحقيقية لا تكمن في تبني القسوة أولاً كقاعدة ثابتة في كل شؤون الحياة، بل في امتلاك القوة والقدرة على الفتك مع إبقائها في غمدها، وإظهارها فقط عندما يتطلب الأمر ردع الأشرار وتأديب المتجاوزين، وبذلك يكون اللطف مع عامة الناس فضيلة واختياراً نابعاً من مركز قوة، وتكون القسوة سلاحاً احتياطياً يُشهر في وجه من لا يردعه إلا القوة.
التعليقات