اصبح هناك هوس بأدب وبودكاست الجرائم الحقيقية، مثل كتاب قارئ الجثث عن مذكرات التشريح الجنائي في مصر، أو سلسلة الجرائم الحقيقية لباسم شرف، وغيرها الكثير. انا لا اري في هذا النوع الا استهلاك آلام الآخرين كنوع من الترفيه والتسلية؛ نجلس في بيوتنا نشرب القهوة ونحن نقرأ عن كيفية تقطيع جثة إنسان أو تفاصيل فحصها وتشريحها، هل فقدنا التعاطف الإنساني البديهي لتلك الدرجة!

​من جانبي، لا يمكنني أبدًا فهم أو تذوق هذا النوع من الادب؛ فالقراءة عن الجرائم الواقعية لا تترك في نفسي سوى انقباض شديد وضيق يدوم لأيام. هناك فرق شاسع بين أن يستلهم الكاتب فكرة أو دافعًا لتبنى عليه رواية أدبية خيالية تعالج قضية نفسية أو اجتماعية، وبين الإصرار الفج على ذكر التفاصيل الدموية والتشريحية الحقيقية بحذافيرها والتأكيد على أن كل هذه الفظائع قد حدثت بالفعل للبشر. هذا الإفراط في التوثيق ليس أدبًا، بل هو تجارة صريحة بالوجع البشري واستغلال لفضول غريزي مظلم لدى القراء. بالتاكيد لم تنتهي الأفكار الإبداعية لدى الكتاب حتى صاروا ينبشون في ملفات القضايا والقبور بحثًا عن حبكة جاهزة تضمن مبيعات سريعة على حساب احترام حرمة الموتى ومشاعر الأحياء!