التضحية بسنوات التخصص وتغييره، مغالطة التكلفة الغارقة. من كتاب فن التفكير الواضح

أحد زملائي بالكلية، من أولئك الذين دخلوا الطب بسبب ضغط الأهل لا بسبب حبه للمجال، دائما ما يشتكي لي من صوتين يترددان في ذهنه، صوت "الصبر والجلد" الذي يخبره أن الاستمرار في الطب هو علامة قوة، وأن التوقف هو فشل واعتراف بالهزيمة. وصوت "التغيير" الذي يخبره أن الاستمرار في طريق مسدود هو غباء، وأن القرار الذكي هو الذي ينقذ ما تبقى، لا الذي يبكي على ما فات. ورغم أني كنت كل مرة أنصحه بأن لا يضيع تعبه كل هذه المدة سدى، وأن هذه مجرد هواجس أيام الامتحانات اههه، لكنني مؤخرا بدأت أقتنع بأن الصواب قد يكمن في رغبته بالتغيير!

وذلك بعدما قرأت وصف رولف دوبلي في كتابه "فن التفكير الواضح" لهذا الموقف بـ "مغالطة التكلفة الغارقة". بحيث أننا قد نتمسك بمشاريع، علاقات، أو حتى وظائف فاشلة، ليس لأننا سعداء فيها أو أن مستقبلها هو ما نحلم بعيشه، بل لأننا استثمرنا فيها الكثير من الوقت والجهد، ونشعر أن التوقف الآن يعني الخسارة!

الحقيقة أننا نحتاج للتمعن في فكرة الكاتب لندرك أن تغيير المسار ليس فشلا، بل هو إنقاذ لما تبقى من العمر. الفكرة ليست في كم خسرنا، بل في كم سنخسر إضافيًا إذا لم نتوقف الآن!


نعم فرض الأهالي مسار حياة او دراسة معين على الابن امر غير صحيح إطلاقا ويضر بنفسية وحياة الأبناء، لكنني لكن في حالة صديقك، إذا كان أنفق بالفعل سنوات في الدراسة فعليه أن يكملها للنهاية، ثم بعد أن يمسك الشهادة العلمية يعمل شيفت كارير بحرية ويعمل في ما يحب، يمكنه أيضا أن يدرس في اكثر من مجال اخر بعد التخرج ليكتشف شغفه لماذا لا، أما الخروج من دراسه الطب بعدما أنفق من سنين ودراسه وبعد ما تحصل عليه من معرفة وعلم، أراه غير مفيد إطلاقا، ثم ربما يندم فيما بعد ويكتشف أن شعوره كان خاطئ، أو يفشل في المجالات الأخرى التي يرى الأن أنها أفضل له دون أن يتعمق فيها، لا تغير طريقتك في النصح له، أجعله يصبر إلى أن ينال شهادته ثم يفعل ما يريد

لا، لستُ معك يا يوسف خاصة أن مهنة الطب مهنة عملية حساسة تتعلق بصحة الناس وليست مهنة نظرية لا تؤذي كثيرا إن لم يحبها ممارسها وأخطأ في إتقانها. فمهما أنفق صديق رفيق من سنوات دراسة الطب وهو يعرف أو يشك لأنه لا يحبها وأنه لا يعطي فيها حق العطاء فالأفضل أن يعمل من الآن كارير شفت ويغير مساره المهني ويعتبر ما أنفق من سنوات الطب معلومات عامة تفيده في الحياة عامة. لأن روحاً واحدة تضيع بسبب عدد التشخيص الصحيح او صرف علاج خاطئ لهو أمر مؤسف جدًا ؛ فالأرواح ليست لعبة يا صديقي.

الحقيقة ليس بالضرورة أن ينتهي به المطاف كطبيب كاره غير متقن لمهنته فالكثير من طلاب الطب مروا بنفس المرحلة ونفس المشاعر تماما لكنهم لاحقا أصبحوا أطباء أكفاء.. واغلب من يغير فعلا يغير في اول سنتين.. الان بعد ان اصبح قريبا من التخرج تبقى له سنتان فقط فهو بالفعل قضر مشوارا طويلا يجعل التضحية به خطوة غير محسوبة بصراحة.. ربما اتفق مع يوسف في كونه عليه ان يكمل ماتبقى ثم يفكر في تخصص اخر بعد التخرج، الفرق هنا أن إمكانية العودة للتخصص الاول دون اضاعى تلك السنوات المقضية تبقى متاحة ويتجنب الندم على قرار قد يكون خطأ فادح بالنسبة لنسخته المستقبلية..

قد يكون ما تقول صحيحًا ولكن راجع إلى تقدير الشخص نفسه؛ يعني إذا كان يرى أن الوقت لا يمثل كبير مشكلة له فليجرب وينهي دراسته للطب ويرى حياته العملية تمشي جيدا أم لا. ثم ينتقل إن أحب إلى تخصص آخر....

بالنسبة له يرى سنتين إضافيتين في جحيم ليحصل على ورقة لن يستخدمها أبدا هو إهدار مضاعف للعمر

لكن لا أحد يعلم ما يخفيه الزمن فعلا، ربما تفاجئه الدنيا ويكتشف مستقبلا أنه يحتاج استخدامها..