اين الكتّاب الرجال من الرواية الرومانسية الكلاسيكية؟

وأنا اراجع قراءاتي في الروايات الرومانسية، لفت انتباهي نمط متكرر: أغلب إن لم يكن كل الأسماء اللامعة في هذا النوع هنّ كاتبات. و اقصد هنا روايات رومانسية كلاسيكية بالمعنى المعروف: مشاعر، صراعات عاطفية، تطور العلاقة، والموضوع الأساسي فيها هو الحب نفسه.

أسماء مثل: نور عبد المجيد، خولة حمدي، أثير عبد الله النشمي، د. منى المرشود، وغيرهن. حاولت أسترجع أسماء كتاب رجال في نفس المساحة، فوجدت الاستثناءات قليلة ومختلفة في طبيعتها. يوسف السباعي مثلًا كتب عن الحب، لكنه لم يكن رومانسيًا خالصًا بقدر ما كان اجتماعيًا أو إنسانيًا. وفي المعاصرين، نجد بعض الأعمال عند محمد صادق مثلًا، لكنها لا تنتمي للرومانسية الكلاسيكية التي تكتبها النساء، بل تمزج الحب بالخذلان أو الفلسفة أو الألم الذاتي.

مما جعلني افكر فعلا هل الرواية الرومانسية بطبيعتها أقرب للتجربة الأنثوية او أن المجتمع يتقبل هذا النوع من النساء أكثر من الرجال. الكتاب الرجال يكتبون الحب لكن بأسماء و تصنيفات أخرى، ف نفشل في رؤيتهم كـ رومانسيين مثلا.

بحثت فعلا عن أسماء كتاب رجال متخصصين في هذا النوع تحديدا، ولم أصل لنتيجة واضحة، ام انهم موجودين وفقط لم يخطروا ببالي ! 


بصفتي رجل أول وبصفتي كاتب ثانيا فاسمحي لي بالإعجاب بهذا الجهد الذي بذلتِه في محاولة حصر 'الرومانسية الكلاسيكية' في قائمة من الأسماء المعاصرة التي، مع كل الاحترام لها ولمتابعيهن، لا تشكل أعمالهن سوى قشرة رقيقة في محيط الأدب العاطفي والرومانسي الكلاسيكي.

والحقيقة أن قراءة حضرتك كلها بعيدة كل البعد عن فهم الأدب كقوة ثورية مؤثرة في المجتمع.

وعلى ما يبدو أن هناك خلطاً كبيراً في المصطلحات؛ فما استشهدتِ حضرتك به ليس 'رومانسية كلاسيكية'، بل هو ما يُعرف في النقد بـ 'أدب الاستهلاك العاطفي' أو (Pop-Romance)، وهو نوع يُكتب لغرض الإشباع اللحظي وإرضاء الجمهور فيما يغلب عليه فئة المراهقين السذج، ويعتمد على تكرار الأنماط لا على ابتكار الأدب.

فإذا أردنا الحديث عن الرومانسية كـ 'مدرسة' وفن صامد عبر العصور، لا يمكننا تجاوز الأباطرة من الرجال الذين وضعوا فلسفة الحب في الرواية قبل أن تتحول إلى 'تريند' رقمي.

إن حصر الرومانسية في 'تجارب أنثوية' هو في الواقع تقزيم للمرأة وللأدب معاً.

وما دفعني للرد في هذا الموضوع هو السؤال أين النساء والأقلام النسوية في الرومانسية الكلاسيكية؟

لا يمكن إنكار مثلا تأثير النساء من أمثال ماري شيلي التي صنعت أدب رعب عظيم في رائعة "فرانكشتاين" ولكن على مستوى الكلاسيكية الرومانسية يبقى الرجال في الصدارة وعلى رأس الهرم، وأعظم من عبر عن الحب والمرأة كان من الرجال وإلا أين نضع 'آلام فارتر' لـ يوهان غوته؟ تلك الرواية التي هزت أوروبا وغيرت مفهوم الحب لدى أجيال.

وأين تلك الأسماء التي كتبتيها من 'آنا كارنينا' لـ ليو تولستوي، الذي فكك النفس البشرية وعواطفها بدقة عجزت عنها أعتى الكاتبات؟

وهل يمكن تناسي 'دكتور زيفاجو' لـ بوريس باسترناك، هل يمكن أن ننسى "روميو وجوليت" رائعة الرواية المسرحية الكلاسيكية، وماذا عن 'الحب في زمن الكوليرا' لـ غابرييل غارسيا ماركيز؟ الأخير لم يكتب 'مشاعر'، بل كتب ملحمة فيزيائية وفلسفية عن الحب في أعتى صوره.

أما على النطاق العربي، فحدثيني عن دعاء الكروان للأديب الأعمى طه حسين، وعن أعمال 'إحسان عبد القدوس' ومكانته وهو الرجل الذي شرّح المجتمع من خلال الحديث عن الحب ببراعة تفوق الحكايات التي تعتمد على 'المط والتطويل'.

هؤلاء الرجال لم يكتبوا 'رومانسية' لأنهم فشلوا في أن يكونوا رومانسيين، بل لأنهم ارتقوا بالحب من مجرد حكاية 'بين اثنين' إلى قضية وجودية ومجتمعية.

أما عن الاستشهاد بـ يوسف السباعي وحده هو إجحاف شديد لرجل لم يكتب في إلا في الاجتماعي السياسي، أما عن الاستشهاد بالكاتب البيست سيلر المنحاز لهراء الحب في التجمع الخامس ومشاكل البنات العاطفية في مدينتي ومهرجان الجونة فلا مجال هنا للحديث عنه.

الحقيقة التي قد تبدو قاسية، هي أن الفرق بين ما ذكرتِه من أسماء نسائية مع الاحترام لها وبين تخصص أو مجال الأدب الرومانسي الحقيقي، كالفرق بين 'السراب' وبين 'المطر'.

شتان بين روايات تخاطب مشاعر الفتيات الساذجات لفترة، وبين روايات تصنع تاريخاً أدبياً وتخلد في ذاكرة الأدب الكلاسيكي.

وحتى لا يظهر لمن يقرأ هذا التعليق أنني متحيز ضد المعاصرين فهناك نماذج حقيقية تكتب في الرومانسية الكلاسيكية ببراعة وقوة مثل عمرو حسين في رواية الديناصور مثلا ورواية سقوط أزرق للكاتب محمد مسعد أو رواية بوجدانا سيرة الحب والقدر للكاتب تقي

والخلاصة هنا أن الرومانسية ليست حكراً على جنس دون آخر، بل هي حكر على من يملك 'العمق'؛ والعمق يا عزيزتي لا يعترف بالأسماء الرنانة في قوائم الأكثر مبيعاً، بل بالروايات التي نعود إليها بعد مئة عام لنجد أنفسنا فيها.. وهو ما أشك كثيراً في حدوثه مع النماذج التي تفضلتِ بذكرها."

#أحمدمجدي

سعيدة بطرح حضرتك و ناقشتك بالتفصيل في موضوعك علي المنتدي