ما بين الحياة والتراث الصيني قد تجد الطَّريق

Mohamad_Tarek_Alfara

بينما يميل الطابع العام للفلسفات الأخرى إلى البحث عن الحقيقة،

تتجه الفلسفة الصينية إلى أن تكون بحثًا عن الطريق،

فتركّز على قيمة التجربة،

ولا تهدف إلى تعريف الحياة بل إلى مساعدتنا على عيشها بانسجام وتوازن.

يقودنا مفهوم الطاو (الطريق) في الفلسفة الصينية - - وهو ما ذكر في كتاب "الطريق إلى الفضيلة" لِ لاو تسه"- إلى معنى الفعل بلا جهد،

حيث ترى أن كثيرًا من مساعي البشر تسير بعكس تيار الطاو،

فنجد أنفسنا أمام المشقّة والمقاومة:

كمحاولتنا السيطرة على ما لا يمكن السيطرة عليه —

مشاعر الآخرين نحونا، أو إنتاجيتنا رغم الإرهاق —

فنُثبت نظرنا على نقطة محددة، فنفقد التيار كلّه.

كمن يحاول أن يسبح ضدَ تيارِ النهر فَيُرهق ويفشل في النهاية.

سأل تلميذٌ معلمه:

> كيف أعيش وفق الطاو؟

فأخذ المعلم ورقةً من الشجرة،

وألقاها في الهواء.

راحت الورقة تدور وتهبط بهدوء،

ثم استقرّت على الأرض دون أن تقاوم.

.

قال المعلم:

> “الورقة لم تختر الريح،

لكنها لم تعادها أيضًا

هكذا من عرف الطريق —

لا يُجبر، ولا يُجرّ.”

.

إن الهدوء والطمأنينة، إن كانا ممكنين، هما إعادة الانسجام مع الطاو،

أو كما نسميها: السير مع التيار.

ولا يعني هذا استسلامًا سلبيًا أو فقدانًا للعزيمة،

بل هو الفعل العفوي غير المجهد — وو وي (Wu Wei) —

أي الوصول إلى حالة طبيعية غير مصطنعة.

في هذا المفهوم، نبذل جهدًا كي نتخلى عن الجهد،

ثم نزيد انسجامنا مع الفعل تدريجيًا،

حتى تزول الفجوة بيننا وبينه،

فيصبح سلوكنا عفويًا طبيعيًّا صحيحًا؛

مثلما نتعلّم ركوب الدراجة، نترنّح أولًا ثم نسير بلا جهد تفكيرٍ إلا فيما يلزم،

كالعصفور قبل أن يتعلّم الطيران،

وكالقطّ قبل أن يتقن تسلّق الأشجار.

.

وأجد كل ما قلت مختصرًا في قولِ "لاو تسه" :

"من يعرف متى يكفّ عن القتال، يعرف النصر".


بالفعل كل الفلسفات الغربية و العربية تحاول دوما البحث عن الحقيقة حتى نتعامل معها، لكن لم يفكر أحد فيما سنفعل في الوقت الذي لا نملك فيه الحقيقة، و لهذا أعجبتني حقا تلك الفلسفة التي تتصالح مع إمكانية عدم معرفة الحقيقة كاملة و تطمئن الإنسان و تريحه طالبة منه السر بهدوء في تيار أو طريق (طاو) الحياة، خصوصا و أنني حاليا أتعرض لضغط عمل شديد من عدة جهات و ألوم نفسي دوما على عدم بذل المزيد من الجهد رغم الإرهاق، أظنني فعلا كنت أحاول بشدة السير عكس التيار و هذا كان يستنزفني يوميا، بينما يمكنني ببساطة أن أدع التيار يسحبنيفي طريقه دون استهلاك ذاتي في الجهد المضني، لكن اسمحي لي أن أسألك: قلتِ أن الإنسان حتى يتبع طريق الطاو سليم عليه تعلمه أولا، مثل تعلمنا ركوب الدراجة أو تعلم العصافير للطيران، لكن ألن يتطلب هذا التعلم و هذه المرحلة الأولى في البداية مجهودا كبيرا و سيرا "عكس التيار" للوصول لدرجة التلقائية التي نقوم بعدها بالأمور بعفوية؟

هذا ما عنيته في "نبذل جهدًا كي نتخلى عن الجهد"

.

انظر كان هناك مثال في أحد الكتب التي تتحدث عن هذه الفلسفة،

في هذه القصة، يُحكى عن طاهٍ ماهر يُدعى "تشنغ" كان يُتقن فن تقطيع الثيران كان يرى سكّينه تُقطّع بكل سلاسة وتتراقص دون أن تتوقف أو تتعثر رغم قساوة جلد الثيران. عندما سُئل عن سر براعته، أجاب قائلاً:

"منذ سنوات، كنت أضرب السكين بعنف وأضطرّ طوال الوقت لاستبدالها وشحذها، ولكنني الآن أعمل بتأنٍ، أتابع خطوط الأنسجة، وأترك السكين تنساب بسلاسة وأحافظ على سكيني."

.

أنتَ تحتاج إلى أن تنسجم مع ما تفعل أن تبذل الجهد لكن في الاتجاه الصحيح وستحصل على تلك النتيجة العفوية والدربة، الطاهي" تشنغ" لم يغيّر عمله، بل وجد طريقه ولم يسِر ضد التيّار بأن يحاول قطع الثور من نفس الأماكن الصلبة بل سار مع تيار الطبيعة ووجد أرقَّ الأماكن منه وتعلمها، نعم بذل جهدًا في البداية وتعثر ولكنه وصل في النهاية إلى الفعل العفوي غير المجهد.

لا أظن الطاو يعني فقط الاستسلام لكل شيء بل يعني فن وضع الجهد وكميته في المكان الصحيح للحصول على أفضل مسار

فهمت الآن، ال(طاو) يعني الاستثمار الأمثل للجهد في الاتجاهات التي تقلل الحاجة للجهد مستقبلا، التعلم من أخطائنا و نجاحاتنا و تسخيرها في سبيل بناء الطريق الأسهل لفعل شيء ما، وهي فلسفة أظنها فطرية و منطقية بالنسبة للبشر جميعا، فالأسهل من بذل مجهود كبير في نفس الطريق الصعب هو بذله لبناء طريق أسهل، تماما كفكرة الهندسة: استغلال العلوم و المعارف في إيجاد الطريق الطبيعي الأيسر للحياة.