17

صناعة الجهل، لماذا هي رائجة؟

​يقول روبرت بروكتور في كتابه "صناعة الجهل وتفكيكه": "الجهل ليس نتيجة نقص المعرفة فحسب، بل هو موجّه تم تصميمه لإدامة حالة من عدم الوعي." فهو يناقش في هذا الكتاب بشكل مباشر ومدروس تأثير صناعة الجهل على الوعي المجتمعي، ولماذا يُصنع الجهل وكيف. خلال العصور القديمة كانت تتسرب الدعاية (البروباغاندا) للشعوب عن طريق الأساطير والحكايات الشعبية، لتشكّل وعيًا محددًا للمجتمع، وتوجّهه بطريقة غير مباشرة، وتساهم في تكوين أفكاره. في عصرنا، لم يختلف الأمر كثيرًا، بل وفرت وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام مساحات أوسع وأسهل لممارسة صناعة الجهل، فأصبحت صناعة رائجة، ومدفوعة لتحقيق أهداف دعائية وسياسية.

​فالجهل لا يقتصر على نقص المعلومات، أو فقدان المعلومة الحقيقية، بل يمثل أيضًا تصديق المعلومة المضللة والترويج لها، فنحن أمام جهل أشد خطورة، لأنه جهل مقنّع، يتطلب فكرًا نقديًا ليُجابه ويقف عند حد. للأسف، دائمًا ما تجد الدعاية المموّلة طريقها إلى الشعوب حتى تصبح حقيقة غير قابلة للطعن، وهذا يشير إلى مشكلة أخرى، وهي أن الواعي الذي يستطيع تفنيد تلك الدعايات غالبًا ما يُفضّل الاحتفاظ بها لنفسه، ولا يقوم بدوره تجاه المجتمع، والمُلام هنا ليس هو وحده، بل أيضًا الشعوب التي تُفضّل الخضوع للسردية المنتشرة، وترفض كل من يحاول الخروج عن الفهم العام وتتهمه بأشد الاتهامات.

​وهنا سؤالي لكم، كيف يمكن مجابهة هذا الأمر، وما الذي يجب علينا فعله تجاه هذه الصناعة الرائجة؟


أظن أن أخطر ما في صناعة الجهل بالفعل أنها لا تقوم فقط على حجب المعلومات، بل على تزييفها بطريقة تجعل الناس يظنون أنهم على وعي كامل بينما هم أبعد ما يكونون عنه، مواجهة هذا الأمر ليست مسئولية فرد واحد بل منظومة كاملة تبدأ من التربية على التفكير النقدي منذ الصغر، وتشجيع الأطفال على طرح الأسئلة و التحدي بدلا من الاكتفاء بما يُقدم لهم، لكن في الوقت نفسه، لا يمكن إنكار أن مقاومة السرديات السائدة مكلفة اجتماعيا، فمن يخرج عن التيار العام يُعتبر متمردا أو حتى خائنا، لذلك ربما الحل الأجدى هو خلق مساحات صغيرة بديلة للوعي، مثل المجتمعات القرائية و النقاشية، التي تكبر بمرور الوقت وتحدث التغيير من الأسفل للأعلى، لكن يظل السؤال، هل يمكن لهذه المساحات الصغيرة النمو إلى أن تُحدث فرقا أمام صناعة ضخمة بهذا الحجم؟

لا أرى أنَّ الاقتصار على المساحات الصغيرة كافٍ، بل أرى أنها قد تُساهم في تقسيم المجتمع وتجعل فريقًا واعيًا ومُنغلقًا على ذاته، وفريقًا آخر لا يكترث، وهو للأسف المنتشر والأكثر تأثيرًا ويمسك بزمام الأمور. إنَّ هذا التباين يخلق فجوة تمنع التغيير الحقيقي. ​ولكن، يكمن الحل في الانتقال من هذه الدوائر الضيقة إلى رحاب المجتمع الأوسع. عندما يبدأ الفريق الواعي بالانخراط الفعَّال داخل مؤسسات المجتمع الحيوية؛ بدايةً من المؤسسات التعليمية والأكاديمية التي تُشكِّل العقول، وصولًا إلى إقامة الندوات وورش العمل والدورات التدريبية المُنظَّمة لمن يهتم بالأمر، فإن دائرة الوعي ستتسع شيئًا فشيئًا لتشمل شرائح أوسع. إذا أصبح في كل عائلة فرد واحد واعٍ ومُدرك على الأقل، فإننا نكون بصدد إحداث ثورة إصلاحية هادئة، ولكنها عميقة وراسخة، بطريقة أو بأخرى. لأنَّ هذا الفرد لن يكتفي بوعيه الشخصي، بل سيدعم باقي الأفراد في محيطه القريب بالمعرفة والأدوات التي اكتسبها. ​وهكذا يكون الإصلاح عملية تراكمية، لا حدثًا لحظيًا. يبدأ بجرعة وعي تنتقل من المؤسسة إلى الفرد، ومن الفرد إلى الأسرة، ومن الأسرة إلى المُحيط الأوسع.