13

القراءة السريعة، إنجاز أم سطحية؟

أثناء تصفحي أحد مواقع التواصل الاجتماعي، وجدت إعلانًا عن إحدى الدورات التدريبية لتعليم القراءة السريعة! وكُتب المنشور بطريقة دعائية مثيرة للعجب بالنسبة لي: "اقرأ كتابًا في ساعة أو ٤٥ دقيقة!" في الحقيقة، قد سمعت بأسلوب القراءة السريعة من قبل، ولكني لم أتوقع لحظة أن الأمر وصل إلى إقامة دورات تدريبية لهذا الغرض.

​القراءة تجربة متكاملة، أهم ما يميزها التفاعل بين القارئ والنص، وبالتالي التواصل مع الكاتب من خلال كلماته. إنها تجربة تتطلب إتقانًا ووعيًا وهدوءًا حتى تُكتسب المعرفة كما ينبغي لها، وحتى الروايات والقصص تحمل في طياتها قضايا اجتماعية وفكرية تتطلب تركيزًا لاستنباطها. القراءة الصحيحة هي القراءة الواعية الناقدة، التي تخرج بالنص من قالب محدود إلى رحابة الفهم والإسقاط على الواقع. ولا أرى أن القراءة السريعة تمنح أصحابها هذه التجربة المتكاملة، ولابد أن لها قصورًا في جوانب عدة تُخل بالإنتاج المعرفي.

​يقول فهد الحمود في كتابه "قراءة القراءة": "إن القراءة إذا كانت خلوًا من التأمل والنقد والتحليل، خالية من تذوق المعاني والتأمل فيها؛ فالفائدة المتوخاة منها فارغة، والثمرة التي يجنيها القارئ منها يسيرة جدًا". لذلك، فإني أرى أن القراءة السريعة هي إدراج القراءة في نهج مادي يُعنى بالإنتاجية على حساب المعنى، وهو أمر خطير لا يصح أن يكون مع العادة التي نقاوم بها طبيعة الزمان المُهْلِكَة.


القراءة السريعة نافعة حسب القارئ نفسه. إذا وهبه الله عقلًا واعيًا سريع الإستيعاب فلم لا؟

ذكرني ذلك بالجدل المقام كل رمضان، هل التلاوة أفضل أم الحدر وتعديد الختمات؟

حتى عباس العقاد الذي كان يمتلك معرفة موسوعية، وفي رأيي يمتلك ذاكرة قوية جداً، كان يقول أن قراءة الكتاب أكثر من مرة أفضل من قراءة أكثر من كتاب، أنا عن نفسي قرأت على الأقل 500 كتاب، لكن وحدها الكتب التي قرأتها بتمعن وتأني هي التي أتذكرها بطريقة جيدة.

بالضبط، أتفق تمامًا.

الفكرة ليست في امتلاك القدرة على القراءة السريعة مع كامل الاستيعاب، فقضيتنا هنا لا تتعلق بالقدرات الخاصة. ما نناقشه هو من يتعلم تقنيات وأساليب القراءة السريعة التي تعتمد على أسلوب المسح (scanning) أكثر من القراءة المتعمقة.

​حتى من يمتلك القدرة على القراءة بسرعة كبيرة مع الاستيعاب الكامل، فإنه غالباً ما يعيد قراءة النص أكثر من مرة ليخرج بأكبر فائدة ممكنة. فالقراءة السريعة قد تكون مفيدة في جمع المعلومات العامة، لكنها لا تغني أبداً عن القراءة المتأنية التي تهدف إلى تحليل المحتوى وفهم عميق لمعانيه. إن القراءة الحقيقية هي عملية تفاعل فكري مع النص، وليست مجرد سباق لإنهاء الصفحات.