من هو المسكين من وجهة نظركم؟ من كتاب (المساكين) لمصطفى صادق الرافعي

كنت إلى وقت قريب عندما أسمع عبارة المسكين يتبادر إلى ذهني سريعاً صورة رجل فقير الحال متواضع العيش لا يملك من الدنيا إلا قوت يومه وأحياناً لا يجده، ذلك الرجل الذي يعيش حياة الشقاء والتعب ولا يترفه كما يفعل غيره من أصحاب الأموال.

ولكن صادفني كتاب ( المساكين ) لمصطفى صادق الرافعي، والحق يُقال أن الرافعي له أسلوبه الخاص والمميز في فلسفته للحياة وتعريفه للأمور، وأنا شخصياً يروقني أسلوبه وتسحرني معانيه، جذبني العنوان وأحببت أن أعرف فلسفته عن المسكين، وكما اعتدت من روعة الرافعي وجدت أن تفسيره للمسكين يختلف عن أي تفسير، أدركت وقتها أن المسكين ليس فقط قليل المال والحيلة وإنما الأمر أبعد من ذلك بكثير.

العديد ممن حولنا مساكين، بل قد يكون كل الناس مساكين، ولكن كل واحد فيهم يختلف في نقصه عن الآخر، قد يكون أحدهم مسكينا في الخُلق وقد يكون الآخر مسكينا في الطبع والقسوة وهناك مسكين غمرته شهواته...العديد من المساكين كل منهم مبتلى وكل منهم لديه حاجة.

منذ أن قرأت الكتاب تغيرت فكرتي عن المساكين وأدركت فعلاً أن ظواهر الأمور قد تكون خادعة، ففي عصر التقدم الحالي وعصر مواقع التواصل الإجتماعي أصبحت أنظر إلى الكثير ممن يظهرون ويتباهون بمدى استمتاعهم في الحياة بأنهم مساكين غارقون في النقص والحاجة، في الحقيقة الأمر أثار اهتمامي وفضولي جداً وجعلني أعيد النظر في الأمور.

ماذا عنكم، ما هو المسكين من وجهة نظركم؟ هل يمكن أن يكون المسكين هو من لا يعرف أنه مسكين؟


رغم أن داخل كل إنسان جزء صغير طفولي ومسكين، لكن لا أرى أنه يمكننا تعميم ذلك الجزء أو تلك العاطفة اللحظية على كامل الإنسان.

ربما كل إنسان يشفق على نفسه ويرى ذاته بعين الرحمة والعطف، ويطوي أحزاناً بين جوانحه، لكن ذلك لا يعني صلاح الإنسان فالظالم ليس مسكين، والقاتل ليس مسكين، والمغتصب ليس مسكين، مهما ندموا ومهما بكوا ومهما ضاقت بهم سبل الحياة وغطت على نفوسهم الكآبة، لا يمكننا تصنيفهم تحت مصاف المساكين، وننظر إليهم بعين الشفقة.

ما يعنيه الكاتب بالمسكين هو النقص والحاجة، فمثلاً المسكين كما نعتقد هو الذي عنده نقص في المال وما يُقيم به حياته وأيضاً هؤلاء المجرمين لديهم نقص داخلي يدفعم نحو الإجرام فهو مسكين أيضاً

ولكن برأيك أنت هل تري أن كل من يرتكب الشر في العالم مسكين من جهة معينة أم أنها دوافع شيطانية وغرائز.

George_Nabelyoun أضف ردا
وأيضاً هؤلاء المجرمين لديهم نقص داخلي يدفعم نحو الإجرام فهو مسكين أيضاً

لا يمكن أن يكون من ضمن مرتكبي الجرائم مسكين، إلا السارق الذي يسرق بسبب الفاقة الشديدة التي تهدد الحياة، كأن لا يجد قوت يومه أو طعام عشاءه.

وهذا المضطر ينال في القانون والشرع تخفيفات قانونية، دعنا لا ننسى أن الفاروق عمر رضي الله عنه قام بتعطيل حد السرقة في عام الرمادة.

لكن غير ذلك من الجرائم لا أرى مرتكبيها يستحقون الشفقة، أو يستحقون لقب "مسكين" لكن ببساطة يجب ردعهم.

صحيح أن الأفعال الشنيعة كالجريمة والظلم لا تُبرَّر، ولا يجب أن تُغفر فقط لأن أصحابها شعروا بالندم أو الحزن لاحقًا. لكن اختزال الإنسان في لحظة شرّه أو فعله السيئ فقط هو أيضًا نوع من التبسيط المخل لطبيعة النفس البشرية.

الشر لا يُولد من فراغ، وغالبًا وراء كل سلوك عنيف أو مؤذٍ تاريخ طويل من التشوه، الألم، التربية، البيئة، القمع، أو حتى المرض النفسي.

هذا لا يعني تبرئة المذنب، بل يعني فهمه ضمن سياق إنساني معقّد، لأن الإنسان ليس آلة نقيسها بما فعل فقط، بل كائن تتصارع فيه دوافع الخير والشر.

الطفل الصغير الذي كان في داخل الظالم أو القاتل لم يُخلق مجرمًا، بل تشوّه بفعل ما مرّ به.

وقد يكون فيه بقايا ندم أو شعور بالذنب، وهذا لا يعيد الحقوق لأصحابها، لكنه يدل على أن الإنسان يمكن أن يُخطئ... ثم يُستعاد إلى إنسانيته.

فالشفقة هنا ليست تبريرًا، بل نظرة أعمق تحاول أن تفهم:

"كيف يصل الإنسان إلى هذه الحالة؟"

"وكيف نمنع أن يتحول آخرون إلى مثله؟"

رفض تصنيفهم كـ"مساكين" أمر مشروع أخلاقيًا، لكن رفض الاعتراف بجذور إنسانيتهم هو أيضًا رفض لجزءٍ من الحقيقة.

العدالة لا تُلغى، لكن الرحمة لا يجب أن تُطرد بالكامل من وعينا، وإلا أصبحنا نحن أيضًا قساة، لا نختلف كثيرًا عمّن ندينهم.

في وصف الرافعي لهؤلاء الناس بالمساكين ليس للدفاع عنهم أبداً أو إسقاط الحق في معاقبتهم، ولكنه كان يوضح نظرته حول هؤلاء الناس وكيف لا ننخدع بهم.

مثلاً في حديثة عن قساوة القلب، يمكنك مثلاً أن تجد أحد الناس يتعامل بمبدأ الدرهم والدينار أو الجنيه ولا يضع أي حسبان لحسن المعاملة والمسامحة فهو رغم أنه يكسب المال الكثير وفي سعة من العيش لكنه أيضاً مسكين عنده نقص في المشاعر والإحساس وقلبه قاسي إلى درجة كبيرة وهو ما يجعل الناس تنفر منه.

مثلاً الفقير ذو الحاجة الذي لا يمد يده ويتعفف عن سؤال الناس هو في وجهة نظره غني النفس ذو عزة وكبرياء، أما الآخر الذي يجمع الكثير من الأموال بسبب الرشوة مثلاً أو بطرق غير جيدة فهو في هذه الحالة مسكيناً ذليلاً فقيراً في العزة والكرامة.

 لكنه أيضاً مسكين عنده نقص في المشاعر والإحساس وقلبه قاسي إلى درجة كبيرة وهو ما يجعل الناس تنفر منه.

ربما لا يكون مسكيناً أخي، بل يكون ببساطة قد فضل الدرهم والدينار على محبة الناس، ويكون لا يأبه بالناس ولا بمحبتهم، لكن ما يهمه هو درهمه وديناره.

أيضاً ذلك يجعله مسكينا في مشاعره واختياراته وأنه مهما كانت مكانته وثروته سيظل في نظر واحد مثل الرافعي مسكينا أسوأ حالاً من الفقير

كل الاحترام للرافعي أخي، لكن لا أظنه مصيباً في وجهة نظره، فبالمنطق لا يمكننا النظر لكل الناس من وجهة نظر واحدة، وأن نلوي الوقائع ونشكلها حتى تطابق نظرتنا هذه حتى تصير نظرتنا صحيحة.

لكن الرحمة لا يجب أن تُطرد بالكامل من وعينا، وإلا أصبحنا نحن أيضًا قساة، لا نختلف كثيرًا عمّن ندينهم.

كلامك جيّد جداً، وأود أن أسمع منك تطبيق مثال عملي على ما تقولين، أي كيف يمكننا عملياً أن نعترف بالجذور الإنسانية للقاتل والمغتصب.

سؤالك في مكانه، وأنا أتفهم تمامًا حيرتك، لكن دعني أوضح قصدي أكثر.

حين أقول إنه يجب أن نعترف بالجذور الإنسانية للقاتل أو المغتصب، فأنا لا أطلب تبرير فعلهم، ولا التساهل معهم، بل أتكلم عن الفهم، لأن الفهم هو الخطوة الأولى نحو الوقاية.

خذ كمثال بسيط من الواقع: كم من مجرم ارتكب جرائمه بعد أن تربّى وسط بيئة مليئة بالعنف أو الحرمان أو القهر؟ كم من إنسان تحوّل إلى وحش لأنه لم يجد من يعلمه كيف يكون إنسانًا؟

هنا لا نبرر الجريمة، بل نحاول أن نفهم كيف وصل الإنسان إلى تلك الحالة، حتى لا نخلق أمثاله من جديد.

كما يقول فرويد:"كل إنسان يحمل في داخله نواة الجريمة، لكن المجتمع هو من يقرر إن كانت ستبقى دفينة، أم ستجد طريقها إلى الواقع."

ثم يأتي سارتر ليكمل الصورة من زاوية أخرى: "الإنسان ليس ما يريده الناس أن يكون، بل ما يصنعه بنفسه مما اختاره."

بمعنى أننا مسؤولون عن خياراتنا، لكن هذه الخيارات لا تولد من فراغ، بل تُصاغ في ظل ظروف نفسية واجتماعية وثقافية معينة. نحن لا نغفر، لكننا نفهم. والفهم لا يعني التعاطف، بل يعني تحمل المسؤولية في كسر الحلقة، وبناء مجتمع لا يُعيد إنتاج الجريمة من جديد.