"لا شيء أسوأ من خيانة القلم؛ فالرصاص قد يقتل أفراداً، بينما القلم الخائن قد يقتل أممًا!!.. من رواية "1984"
لا شيء أخطر من التلاعب بعقول الجماهير. هذا ما شدد عليه جورج أورويل بروايته الصادمة "1984".. حيث عرض خلالها أساليب عديدة، تتبعها القوى الإستبدادية للسيطرة على الشعوب، كالترهيب والتجويع، وغيرهما من الأساليب القمعية... لكنه رأى أن أخطر تلك الأساليب هو أسلوب التجهيل، والتلاعب بالعقول، عبر غمرها بالمعارف المضللة، ومحاصرتها بالمعلومات الخادعة. ويتحقق ذلك كله، عبر إنتاج مواد أدبية وثقافية خادعة، هدفها الأوحد هو تدجين عقول الجماهير، وإخضاعها لسيطرة سلطة ما؛ لتتلاعب بها وتوجهها كيفما تشاء!!
وطبعا من ينتج تلك الأعمال -المدمرة للعقول- هم فئة من الأدباء، والفنانين، والمفكرين المأجورين، معدومي الضمير المهني..
وبالمناسبة تلك الفئة متجددة، ومستمرة بالظهور حتى وقتنا الحالي.. فمثلا ما نراه من مؤلفات علمية غير دقيقة، ودراسات تاريخية أو إجتماعية متحيزة ومغلوطة، وأعمال فنية وأدبية مغرضة، ما هو إلا دليل واضح على نشاط تلك الفئة المأجورة بيننا!!
ولهذا وجب علينا حماية عقولنا من التأثر بتلك الأعمال الهابطة، والإنقياد لما تمدنا به من معارف خادعة..
برأيكم، كيف نحمي عقولنا من الإنخداع بتلك التلاعبات الفكرية المتخفيةبثوب الإبداع؟!
حماية العقول من التلاعب الفكري تتطلب وعيًا نقديًا وتعليمًا مستمرًا. لا بد من تحليل المعلومات بتمعن، والتحقق من مصادرها، وتجنب الاعتماد على مصدر واحد. التفكير المستقل والحوار البناء مع الآخرين يعززان القدرة على تمييز الحقيقة من الخداع. كما أن فهم السياق التاريخي والثقافي للأعمال الأدبية والفنية يساعد في كشف الأهداف الكامنة وراءها. باختصار، بناء عقلية نقدية ومستنيرة هو السلاح الأقوى ضد التلاعب الفكري.
لأول مرة أجدني أختلف مع من يقول بأن الحل هو التمعن في مصادر عدة، مع أني كنت ممن يدافعون عنها باستماتة، أعتقد اليوم أن تعدد المصادر لا يشفع، حتى لو كانت مصادر من جهات أكادمية عليا، أو من مراكز بحثية مرموقة، لقد أصبحنا في عالم تؤدلج فيه المعارف وتباع فيه العلوم كما يباع التبغ والحلوى الرخيصة في المحلات، أنما الحل هو امتلاك المنطق والخبرة والرأي والقدرة على التمييز بين ما يصح ومالا يصح، والشك في كل ما يرد وكل ما يقال حتى في أهم المقالات العلمية، يجب إعادة التفكير واقامة المقارنات والبحث أعمق من الظاهر ، واليقين بأن الحقيقة ليست ملك لأحد .
ما المشكلة في التمعن من المصادر والتحقق منها؟ ألا يمكن أن نتحقق منها من خلال هذه التساؤلات: من هذه الجهة؟ لماذا نشرت، هل الموقع الذي نشر المعلومة موثوق به؟ أو ما هو الكاتب، ما مؤهلاته، على ماذا تبنى هذا الرأي؟ هل هو متحيز بالفعل؟
ألم أفكر هنا بعقلانية من خلال طرح هذه التساؤلات ! لذا برأيي التمعن من المصادر مع التحقق منها أمر مهم في حماية أنفسنا من التلاعب.
فهم السياق التاريخي والثقافي للأعمال الأدبية والفنية يساعد في كشف الأهداف الكامنة وراءها..
هذا إجراء جيد بالفعل، فنقد الأعمال ثقافيا، يساعد في معرفة جوانبها المتعددة، وكشف ما تحاول تمريره من أنماط مستترة، تحت غطاء جمالي خادع..
لكن إتقان تلك الآليات النقدية ليس ممكنا للجميع، ولذلك فمهارات نقدية مثل هذه يجب أن يتم تعليمها للنشء؛ ليعتادوا ممارستها منذ الصغر..
التعليقات