الجدل حول نظرية المؤامرة.

تشهد نظرية المؤامرة تعارضا كبيرا في الآراء بين مؤيد مؤمنًا بها بشدة ٫ و آخَر معارضًا لها بشدة و يسخر من المؤمنين بها ٫ و يرمي اللوم على مجتمعه .

و انتشرت الكتب التي تتحدث عن هذا الموضوع كثيرا ٫ بعضها يستند إلى براهين دقيقة ٫ و بعضها الآخر لأغراض تجارية وبيع الأوهام لا تعتمد إلا على القيل و القال و الحجج الواهية .

إلى المؤمن بنظرية المؤامرة ٫ ما الذي جعلك تؤمن إيمانا جازما بالنظرية ؟ ألا يبدو مجتمعك هو سبب ما أنت فيه من تخلف و تشرذم و هوان؟ أليس الشعوب هي المتسببة في خراب أوطانها ؟ أليس غياب عقلية التقدم و التصنيع عند الراعي و الرعية هو سبب التخلف الصناعي في البلدان العربية ؟ أليست دمار البلدان بسبب الطائفية و العنصرية و العصبية القومية نابع مم عقليات الشعوب المتخلفة ؟ أليس الحكام الطغاة هم سبب هذا بسياساتهم القمعية و عمالتهم للمستعمرين و جلبهم للغزاة و المحتلين ؟ هل يصعب على الحكام قول لا لأجل أوطانهم ؟ هل تصدق أن معظم الأحداث العالمية من ثورات و حروب و معاهدات و تحالفات ووو... ورائها أيد خفية غرضها السيطرة على العالم ؟

هل تصل النفس الإنسانية إلى هذا الحد من الشر ٫ حتى تسبب في فناء الملايين من الأبرياء في الحروب و المجاعات لأجل مصالح دنيوية بحتة ؟

لكن في المقابل ٫ لمن يدحضون نظرية المؤامرة ٫ أليس الوضع جليا أمام أعيننا أن العالم تحكمه أيد خفية ؟ هل أنت مقتنع أن مساندة الدول الكبرى للكيان اللقيط و بذل الغالي و النفيس لأجله و خرق القانون الدولي في سبيله ٫ حبا في اليهود ؟ هل مازلت تنكر تغلغل اللوبي الصهيوني في كل مفاصل الإمبراطورية الأمريكية ٫ و تحكمه في صنع القرار في الكونغرس ؟ هل تلقي أغلب الكتاب الذين كتبو عن نفوذ اليهود في أنظمة الدول الكبرى حتفهم صدفة ؟ هل عجز 22 دولة عربية عن إختراع حتى ذخيرة مسدس صغير ٫ و غرق أغلبهم في الحروب و النزاعات صدفة ؟

هل برأيك كتاب أحجار على رقعة الشطرنج التي تحدث عن المؤامرة العالمية و إستند فيه الكاتب ويليام جاي كار على وثائق ٫ عثر عليهم اثناء عمله في البحرية الكندية ٫ و مع العلم أنه مات مقتولا بعد صدور الكتاب ٫ كل هذا صدفة ؟ هل سايكس بيكو ليست مؤامرة ؟ طيب وعد بلفور ليس مؤامرة ؟ و مؤتمر بازل 1897 ماذا ٫ و قيام إسرائيل 1948 و ما تلاها من حروب سادت المنطقة ؟

هل النفس البشرية تعارض فعل أشد الشرور مقابل تحصيل المصالح المادية فيما بعد ؟ ألا يفعل الإنسان اكثر من ذلك منذ فجر التاريخ من قتل و تخريب و تدمير ؟ أن الشياطين يوحون إلى أوليائهم زخرف القول و يأمرونهم بأشد الشرور ؟

شاركونا آرائكم ؟


أرى أن النقاش حول نظرية المؤامرة معقد للغاية، حيث يميل إلى التطرف بين المؤيدين والمعارضين. وبالنسبة لي، أعتقد أن من الخطأ تجاهل احتمال وجود مؤامرات حقيقية على الساحة الدولية، خصوصاً في ظل تاريخ مليء بالتحالفات السرية والصفقات المشبوهة التي أثرت في مجريات الأحداث. لكن بالمقابل، لا أرى أن رمي كل المشاكل على المؤامرات يعفينا من مسؤوليتنا عن أسباب داخلية تخصنا. 

فوجود مؤامرات أو خطط سرية لا يعني أننا معفيون من لوم أنفسنا كمجتمعات على تقاعسنا عن التطور، وتخاذلنا في مواجهة الفساد، وضعفنا في بناء قدراتنا الذاتية. لذا، فإن الاعتقاد بنظرية المؤامرة لا يجب أن يكون مبرراً للفشل أو إلقاء اللوم بالكامل على الآخرين. يجب أن نعترف بأن هناك تقصيراً ذاتياً في تطوير أنفسنا ومجتمعاتنا، وفي الوقت نفسه نكون واعين للتدخلات الخارجية التي قد تؤثر على مسارنا.

صحيح ٫ معك حق ء٫ المؤامرات موجودة لا شك في ذلك ٫ لكن ينبغي علينا عدم التركيز معها و جعلها ذريعة للتواكل و الكسل و التخلف ٫ بل مقاومتها إن كانت تعيق نهضة الأمة ٫ و السعي حول الإلتفاف عليها .

أرى أن المسؤولية الذاتية التي تُذكر هنا ضرورية، لكنها قد تصبح مجرد خطاب فارغ إذا استمرينا في افتراض أن القوى الخارجية هي دائماً اللاعب الرئيسي. إن تحميل "الآخر" مسؤولية التأثير علينا، حتى لو كانت هناك حقائق تدعم هذا الاعتقاد، يجعلنا نغض الطرف عن التغيرات التي نتحكم بها نحن بشكل كامل. التحالفات السرية والصفقات المشبوهة قد تكون واقعاً في أوقات معينة، لكن تأثيرها في نهاية المطاف مرتبط بضعف داخلي يمكننا تسليط الضوء عليه.

صحيح ٫ هذا ما أراه ٫ حتى لو كانت المؤامرة محتومة مؤكدة ٫ لا يجب أن نضعها مبررا لتبريء أنفسنا مما يقع من فوضى و حروب ٫ و ما نمر به من تخلف و ركود و انهزام و مهانة ٫ بل يجب التحرك و رمي الأفكار السلبية جانبا .