هل "التسامح" سلاح حقيقي في وجه العنف.. أم أنه انتحار سياسي؟
تداولت الثقافة الشعبية طويلاً مقولة تُنسب زيفاً للمهاتما غاندي، يزعمون فيها أنه قال: "لو أردنا إخراج بريطانيا بالقوة، لبصق كل هندي منا مساهمةً في إغراق جزيرة بريطانيا"! ورغم أن غاندي لم يقل هذه العبارة حرفياً، إلا أن التأمل فيها يوضح أنها تؤيد فلسفته في العمق؛ فهي تختصر جوهر "العصيان المدني" في أن اتحاد الشعب على فعل سلمي وبسيط جداً، كفيل بدحر المحتل وإغراقه بقوة الكثرة البشرية المتماسكة دون الحاجة لحمل السلاح أو إراقة الدماء.
هذا التأمل قادني للبحث في المعضلة الأكبر التي تطفو على السطح دائماً في عالم تملؤه النزاعات والحروب: كيف يجب أن نواجه العنف؟ وهل التسامح واللاعنف مجرد "مثالية ساذجة" أم سلاح حقيقي؟
في تاريخ الفكر والسياسة، هناك تياران رئيسيان طالما تشابكا:
تيار اللاعنف والتسامح: يرى أصحاب هذا الفكر أن العنف لا يولد إلا العنف، وأن مواجهة الرصاصة بالرصاصة تُدخل البشرية في حلقة مفرغة لا تنتهي (كما يعبّر المبدأ الشهير: العين بالعين تجعل العالم كله أعمى). هم يرون التسامح والمقاومة المدنية السلمية قوة أخلاقية قادرة على إحراج المعتدي وتجريده من شرعيته أمام العالم، تماماً كما حدث في نماذج تاريخية اعتمدت على المقاطعة الاقتصادية والعصيان الشامل.
تيار الواقعية والمقاومة المادية: يرى أن التسامح في وقت الحرب والعدوان هو نوع من "الاستسلام". في عالم السياسة والحروب، القوة لا تردعها إلا القوة، والتسامح مع المعتدي أو الاكتفاء بالأساليب السلمية أمامه قد يُفهم كعلامة ضعف، ويشجعه على ارتكاب المزيد من الجرائم وتثبيت أركان حكمه.
وهنا تبرز مفارقة شهيرة للفيلسوف "كارل بوبر" تُعرف بـ (مفارقة التسامح) حيث يقول:
"إذا تسامحنا مع غير المتسامحين بلا حدود، فإن النتيجة ستكون تدمير المتسامحين، ومعهم التسامح نفسه."
التعليقات