هل "التسامح" سلاح حقيقي في وجه العنف.. أم أنه انتحار سياسي؟

Amel_Ayed27

هل "التسامح" سلاح حقيقي في وجه العنف.. أم أنه انتحار سياسي؟

تداولت الثقافة الشعبية طويلاً مقولة تُنسب زيفاً للمهاتما غاندي، يزعمون فيها أنه قال: "لو أردنا إخراج بريطانيا بالقوة، لبصق كل هندي منا مساهمةً في إغراق جزيرة بريطانيا"! ورغم أن غاندي لم يقل هذه العبارة حرفياً، إلا أن التأمل فيها يوضح أنها تؤيد فلسفته في العمق؛ فهي تختصر جوهر "العصيان المدني" في أن اتحاد الشعب على فعل سلمي وبسيط جداً، كفيل بدحر المحتل وإغراقه بقوة الكثرة البشرية المتماسكة دون الحاجة لحمل السلاح أو إراقة الدماء.

هذا التأمل قادني للبحث في المعضلة الأكبر التي تطفو على السطح دائماً في عالم تملؤه النزاعات والحروب: كيف يجب أن نواجه العنف؟ وهل التسامح واللاعنف مجرد "مثالية ساذجة" أم سلاح حقيقي؟

في تاريخ الفكر والسياسة، هناك تياران رئيسيان طالما تشابكا:

تيار اللاعنف والتسامح: يرى أصحاب هذا الفكر أن العنف لا يولد إلا العنف، وأن مواجهة الرصاصة بالرصاصة تُدخل البشرية في حلقة مفرغة لا تنتهي (كما يعبّر المبدأ الشهير: العين بالعين تجعل العالم كله أعمى). هم يرون التسامح والمقاومة المدنية السلمية قوة أخلاقية قادرة على إحراج المعتدي وتجريده من شرعيته أمام العالم، تماماً كما حدث في نماذج تاريخية اعتمدت على المقاطعة الاقتصادية والعصيان الشامل.

تيار الواقعية والمقاومة المادية: يرى أن التسامح في وقت الحرب والعدوان هو نوع من "الاستسلام". في عالم السياسة والحروب، القوة لا تردعها إلا القوة، والتسامح مع المعتدي أو الاكتفاء بالأساليب السلمية أمامه قد يُفهم كعلامة ضعف، ويشجعه على ارتكاب المزيد من الجرائم وتثبيت أركان حكمه.

وهنا تبرز مفارقة شهيرة للفيلسوف "كارل بوبر" تُعرف بـ (مفارقة التسامح) حيث يقول:

"إذا تسامحنا مع غير المتسامحين بلا حدود، فإن النتيجة ستكون تدمير المتسامحين، ومعهم التسامح نفسه."


المشكلة أن النقاش أحيانًا يُطرح وكأن أمامنا خيارين فقط: إما تسامح كامل أو عنف كامل، التسامح واللاعنف نجحا فعلًا في بعض التجارب التاريخية، لكن هذا لا يعني أنهما يصلحان دائمًا مع كل الأنظمة أو الصراعات، لأن هناك قوى لا تهتم أصلًا بالضغط الأخلاقي أو بصورة العالم عنها.

والرد بالقوة ليس دائمًا حلًا ناجحًا أيضًا، لأنه قد يفتح دائرة طويلة من العنف والخسائر. لذلك ربما القضية ليست في رفض التسامح أو تمجيد القوة، بل في معرفة متى يكون كل أسلوب مناسبًا وحدود استخدامه. حتى فكرة كارل بوبر عن التسامح لا تعني إلغاءه، بل تعني أن أي مجتمع يحتاج إلى حماية نفسه من من يستغل هذا التسامح لتدميره.

معك حق المعادلة تتغير بحسب طبيعة المعتدي من يتحرك بمنطق المصلحة يشعر بالتكلفة ويحسب الخسارة أما من يتحرك بمنطق الهوية أو الأيديولوجيا فالضغط وحده لا يكفي لأنه لا يخسر شيئا في حساباته بل يرى التراجع هزيمة وجودية

حتى من يبدو أنه يتحرك بمنطق أيديولوجي، قد يتأثر عمليًا بالحسابات الواقعية والتكلفة على المدى الطويل، والعكس أيضًا صحيح، فصاحب المصلحة قد يدفعه أحيانًا موقف عاطفي أو شعور بالكرامة لاتخاذ قرار غير محسوب. عامة فهم السلوك الإنساني يحتاج نظرة أوسع من التصنيفات الحادة، لأن الواقع أكثر تداخلًا ومرونة مما يبدو في التقسيمات النظرية.